تاريخ

جسر السلطان سليم الأول في تركيا.. إعادة بناء الإرث العثماني

كتب: كريم عبد المجيد

فى: نصوص

11:02 01 أغسطس 2015

تحوي أراضي شبه جزيرة الأناضول مجموعة هامة من الجسور التي يرجع تاريخها إلى عشرات القرون الماضية، هذه الجسور التي تختلف في عصور بنائها من دولة إلى أخرى، فهناك ما يرجع إلى الدولة الرومانية، والدولة المروانية، والسلجوقية، والأرتقية، والعثمانية، وصولًا للجمهورية الحديثة، فنجد تنوعا كبيرا في شكل الجسور ونوعية المادة التي تم تشييدها منها، وطولها وارتفاعها على مر هذه القرون، واتسام كل دولة من هذه الدول بشكل خاص لعمارتها.

والجمهورية التركية التي تبلغ من العمر 92 عامًا والمقامة على أراضي الأناضول، استطاعت في هذه المدة بناء عشرات الجسور الجديدة على أراضيها، حيث يمثل جسر السلطان "سليم الأول" الذي يتم العمل عليه من أجل افتتاحه نهاية عامنا الحالي 2015، أحد أبزر هذه الجسور وأحدثها على مستوى العالم.

وإذا أردنا أن نستعرض تاريخ الجسور في شبه جزيرة الأناضول، سيستدعي الأمر مرورًا بتاريخ أسلاف الحكام الحاليين، أي تاريخ العثمانيين، فحُكام الأناضول الكبار الذين حكموا أراضي الجمهورية التركية وأضعافها مساحة في أوروپا وإفريقيا في الماضي، لهم مساهمات رئيسية في بناء الجسور على امتداد قرون.

ولو مررنا على كثير من الدول الحالية التي وقعت تحت الحكم العثماني، لأخبرتنا الجسور التي تملأها بأسماء المهندسين العثمانيين الذين شيدوها، فعمليًا يُعتبر العثمانيون من أبرز مشيدي الجسور على امتداد التاريخ البشري، الأمر الذي يدل عليه بقاء مئات الجسور من قرونهم الطويلة إلى يومنا هذا في الأراضي التي أداروها وحكموها، فالبلقان مثلا يتواجد في غالبية دوله القائمة الآن جسور يعود تاريخها للعهد العثماني، نجد منها ما يدخل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي كـ الجسر القديم في مدينة "موستار" البوسنية، كما نجد في الأناضول جسورا حجرية عثمانية تضم واحد من أطول هذه النوعية من الجسور في العالم، وهو الجسر الذي شيده السلطان مراد الثاني بمدينة إدرنة، والذي وضع مؤخرا في هذا العام على قائمة اليونسكو المبدئية للتراث العالمي.

وإذا ألقينا نظرة عابرة على الدول البلقانية التي ما زالت تحتفظ بجسور عثمانية إلى الآن، فنجد أن دولة مثل ألبانيا ما زال قائمًا على أراضيها إلى الآن أكثر من 100 جسر يعود للعهد العثماني، وتتشابه معها البوسنة التي بُني بها في العهد العثماني من القرن الخامس عشر وحتى القرن التاسع عشر 50 جسرًا، ما زالت إحدى مدنها الهامة وهي مدينة ڤيشگراد، يزين علمها شعار جسر صوقللو محمد پاشا الرائع، ومدينة سكوبيه عاصمة مقدونيا والتي يتوسط شعارها الجسر الحجري الذي اكتمل في العهد العثماني في ستينات القرن الخامس عشر، وتنضم إليهم مدينة سڤلنگراد بـ بلغاريا الذي يتواجد بشعارها جسر مصطفى پاشا تشوبان الذي اكتمل بناؤه عام 1529.

جسر صوقللو محمد پاشا بمدينة ڤيشگراد بدولة البوسنة والهرسك
(جسر صوقللو محمد پاشا بمدينة ڤيشگراد بدولة البوسنة والهرسك، أحد الجسور المدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي والذي أتم المهندس الكبير سنان بناءه عام 1577)

 

واستعراضًا لمجموعة من الجسور العثمانية التي ما زالت باقية في أراضي الأناضول إلى الآن، نجد أن الإدارة العثمانية قد بدأت في بناء الجسور منذ القرن الخامس عشر وصولًا إلى القرن العشرين حسب احتياج كل منطقة. فمدينة بورصة أول عاصمة للدولة العثمانية تحتوي على 7 جسور عثمانية، منها جسر أرجندا الذي بني في عام 1442، وجسر عبدال الذي صدر الأمر ببنائه عام 1666 وافتتح في عام 1669 بطول 64 متر. أما مدينة إدرنة العاصمة الثانية للدولة العثمانية، فتحتوي على 8 جسور عثمانية، من أشهرهم الجسر الطويل الذي يصل طوله إلى 1392 متر، تمر المياه من خلاله من عدد عيون تصل إلى 174 عين، بُني بأمر من السلطان مراد الثاني [حكم من 1421 إلى 1451]، وتم الانتهاء منه في عام 1443، ويعتبر أطول جسر حجري قائم إلى الآن في الأراضي التركية. كذلك تحتوي نفس المدينة على الجسر الجديد الذي بدأ في إنشائه السلطان محمود الثاني [حكم من 1808حتى 1839]، وتم الانتهاء منه في عهد خلفه السلطان عبد المجيد الأول عام 1843، وهو يتكون من 12 عين للمياه وبطول يبلغ 263 متر.

الجسر الحجري إدرنة
(الجسر الحجري الذي أمر ببنائه السلطان "مراد الثاني" بمدينة "إدرنة"، واكتمل عام 1443)

 

أما إذا انتقلنا إلى اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية منذ أن دخلها السلطان محمد الفاتح عام 1453 وحتى انتهاء الدولة رسميًا عام 1923، فسنقف أمام الجسر العريق جسر جلاطة، الفكرة التي برقت في ذهن السلطان بايزيد الثاني [حكم من 1481حتى 1512] مطلع القرن السادس عشر لبناء جسر يربط بين منطقتي إمينونو و كراكوي، فأرسل السلطان يستدعي الفنان والمهندس الإيطالي الشهير ليُناردو داڤنشي ليقوم برسم فكرة لجسر يربط بين البرين، وقام بالفعل برسم تخيل لشكل المشروع وأرسله إلى اسطنبول، ولكن المشروع لأسباب معينة ألغي ولم يتم في حينها. ظلت محاولات بناء جسر في نفس المنطقة تستمر حتى القرن التاسع عشر، وظهر لنا الجسر الجديد في نفس المنطقة عند تصميمه لأول مرة عام 1845 بأمر من والدة السلطان عبد المجيد الأول [حكم من 1839 حتى 1861]. جُدد الجسر وأعيد بناؤه أكثر من مرة لأسباب مختلفة، كان آخرها عام 1992.

وتحتوي اسطنبول على مجموعة من الجسور قام المهندس الكبير سنان بتشييدها، منها جسر السلطان سليمان القانوني، جسر ماگلوڤا، جسر قنطرة اجري، جسر القنطرة الطويلة وغيرها، وهي من الأعمال الرائعة لـ سنان، والتي ما زالت شامخة على مر أكثر من أربعة قرون ونصف.

الجسر القديم بمدينة موستار البوسنية
(جسر "ستاري موستار" أو "الجسر القديم" بمدينة "موستار" البوسنية، تم بناء بواسطة المهندس العثماني "خير الدين" تلميذ الكبير "سنان"، وهو ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. بداية العمل عليه كانت في عام 1557 وتم الانتهاء منه في عام 1566. تعرض الجسر للتدمير عام 1993 في حرب الإبادة العرقية بالبوسنة، وأعيد بناؤه مرة أخرى وافتتاحه في عام 2004)

 

آمن العثمانيون أن الجسر ليس أداة وظيفية عملية فقط، بل هو كيان جمالي يؤدي وظيفة جمالية نفسية في نفس الوقت، فانعكس هذا الأمر على شكل الجسور التي تشكل حتى الآن تحف فنية معمارية خالدة بمرور الزمن، وأذكر فيما يلى بعض النماذج للجسور العثمانية القائمة إلى الآن في عدد من الدول:

1- الجسر القديم أو جسر مصطفى پاشا تشوبان الذي بُني بواسطة سنان بمدينة سڤلنگراد ببلغاريا عام 1529، والذي يبلغ طولة 295 مترًا:

الجسر القديم سقلنكراد بلغاريا
 

2- جسر السلطان سليمان القانوني بمدينة اسطنبول، صممه سنان بطول 636 متر وهو أطول جسر قام بتصميمه وانتهى منه عام 1563:

جسر سليمان القانوني <a class=اسطنبول" src="/images/ns/7814978731438275889-جسر سليمان القانوني اسطنبول.jpg" style="border-width: 0px; border-style: solid; width: 620px; height: 414px;" />
 

3- الجسور العشرة، وهو جسر قوسي بُني بـ عمان عاصمة الأردن في عهد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1908، ليكون حلقة ربط لخط سكة حديد الحجاز بين مدينة دمشق والمدينة المنورة مرورًا بالمدن الأردنية:

الجسور العشرة الأردن
 

4- جسر الملاك، وهو أحد الجسور العثمانية التاريخية الموجودة بدولة كوسوڤو التي تمتلئ بالآثار العثمانية الكثيرة الباقية حتى الآن. يعود تاريخ بناؤه إلى القرن الثامن عشر، إلا أنه تعرض للتدمير أكثر من مرة أولها كان في الحرب العالمية الأولى وأعيد بناؤه مرة أخرى عام 1942، كما تعرض الجسر مرة أخرى لدمار جزئي في حرب كوسوڤو عام 1999، وتمت إعادة إصلاح ما دُمر منه:

جسر الملاك كوسوفو
 

5- جسر ماگلوڤا بإسطنبول، الذي يعمل كقنطرة تمر المياه من خلال فتحاتها. بدأ سنان في تصميمه عام 1554 وتم الانتهاء منه عام 1562. يبلغ ارتفاعه 36 مترًا وطوله 258 مترًا:

جسر ماكلوفا <a class=اسطنبول" src="/images/ns/21045811121438276221-جسر ماكلوفا اسطنبول.jpeg" style="border-width: 0px; border-style: solid; width: 620px; height: 412px;" />

6- جسر القنطرة الطويلة، وهو أطول قنطرة مائية صممها سنان بمنطقة غابة بلگراد شمال غربي إسطنبول. يبلغ طوله 716 مترًا، وارتفاعه 25 مترًا بمعدل 50 عين للمياه في الجزء العلوي منه، و47 في الجزء السفلي:

جسر القنطرة الطويلة <a class=اسطنبول" src="/images/ns/13707238631438276323-جسر القنطرة الطويلة اسطنبول.jpg" style="border-width: 0px; border-style: solid; width: 620px; height: 399px;" />

 


اقرأ المزيد:

كيف أسهمت الحضارة العثمانية في التطور العمراني لشرق أوروبا؟

مذابح الأرمن ضد المسلمين.. لماذا لا تعترف أرمينيا بالمذابح التي ارتكبتها؟

اعلان


اعلان