نحن السادة ولسنا عبيد إحساناتكم !

نحن السادة ولسنا عبيد إحساناتكم !

معصوم مرزوق

معصوم مرزوق

12 أغسطس 2017

يعايرنا أهل الحكم بفقرنا. فقرنا الشديد قوي! . ويسألون في استنكار: "نجيب لكم منين؟".

 

فهل كنا نحن من وعدنا بأن مصر " ها تبقي قد الدنيا "، أو أنه " يكفي الصبر عامين فقط "، أو كنا نحن من نظمنا مؤتمرًا ضخمًا لعرض جهاز قيل عنه أنه يشفي جميع الأمراض، ومؤتمرًا آخر لتوقيع عقد بملايين الشقق. وكل ذلك في فترة الإعداد للدفع بالمرشح الرئاسي الذي لم يتوقف في الأشهر الأولي عن الوعود.

 

لا أدري من هو العبقري الذي أشار على الرئيس بأن يسرف في الوعود، وأن يتعهد بتنفيذ بعض المهام خلال عامين، كي تصبح تلك الوعود سيفًا مسلطًا على الرئيس واختبارًا لمصداقيته. موضوع الوعود الانتخابية يرتبط بالانتخابات الأمريكية، حيث تعتبر الفترة الأولى هي فترة شهر العسل بين الناخبين والرئيس الجديد، وبعدها يبدأ الحساب. ولكن. ولكن. ربما من أشار بذلك قد استعار ذلك بشكل عكسي من النظام الأمريكي. ولكنه بلا شك أحرج الرئيس.

 

بمنتهى البساطة، لم يتحقق وعد واحد من تلك الوعود التي كانت مثل إسهال انهمر على رؤوس وأحلام المصريين. ثم بدأنا نسمع النغمة الجديدة: "ألا ينبغي لهذا الشعب الأبي أن يتقشف في سبيل أن يبني الدولة؟ . ما هذا الترف والدلع الذي يتمرغ فيه الفلول وأشباه الفلول؟ . إن الفقراء لا تنقطع عنهم الكهرباء والمياه فقط، بل تنقطع عنهم الحياة ذاتها، وهم صابرون محتسبون، لا يبالون بهذه التفاهات. ألم يعش أجدادنا الميامين في الصحراء بلا كهرباء أو ماء؟ . لماذا لا تصبح الناقة هي الحل الناجع لتكدس المرور وتلوث البيئة؟ .

 

ألم يعدنا الحكام الجدد/ القدامى بحلول غير تقليدية لمشاكل الوطن؟ الزبالة هي عبق الماضي الذي لا يجوز التنازل عنه، بعد أن تحولت إلى معلم من معالم مصر المحروسة مثل الأهرامات وبرج الجزيرة والسد العالي، ونستطيع أن ندرجها ضمن البرامج السياحية، كي يتفرج عليها السياح ويشموا رائحة التاريخ.

 

وقبل أن يسارع إعلام كل العصور بوصم هذه السطور بالخيانة والتمويل الأجنبي، أحيلهم إلى سطور أخرى كتبها نفس القلم على مدى يزيد على أربعين عامًا حملت كلماتها نفس الأسلوب في زمن كانت الكلمات فيه مباخرًا لوعد بالجنة في زمن الانفتاح سداح مداح، دفعنا فيه وسيدفع أحفادنا ثمنه في قابل الأيام.

 

هل يمكن للإنصاف أن نقول أن الرئيس قد شق على نفسه بوعود تتجاوز إمكانيات الواقع، ووضع نفسه في قفص الوعود المتبخرة في محاولة لاستخدام أدبيات الانتخابات الأمريكية، فهتف الناس في الميدان بحماس وجموح وارتفعت أصواتهم إلى عنان السماء، وعندما ذهبت السكرة جاءت الفكرة، وبدأ التعلل بطرف ثالث أو رابع وأهل الشر الذين يعرقلون مسير قاطرة الرخاء، دون أن يشرح أحد كيف لهذه القاطرة أن تتحرك دون سائق أو قضبان.

 

وفي تطور مثير بدأ برنامج المعايرة والسخرية من " فقرنا وحالنا المايل "، وتكررت نغمة سبق أن استخدمها السادات ومبارك (أنهما ورثا تركة ثقيلة، وأن الأنظمة السابقة لم تقم بما عليها من مسئوليات)، وتناثرت طيور الفضائيات من كل لون وجنس كي تزقزق في المساء وتضيف للرأي العام مساحة جديدة من الحيرة والكآبة واليأس، وتطلع الناس بحسن نية في انتظار أن يطل عليهم ساكن قصر الاتحادية كي يظفروا ولو بلمحة من أمل أو شعاع من نور،

 

ما أغفله الكافة هو أن قاطرة التقدم في أمس الحاجة لسائق في قمرة القيادة، وقضبان واضحة تمشي عليها، وهذا ليس تشكيك في أحد لا سمح الله، ولكن محاولة للتفكير في ذلك الواقع المأزوم وتشخيصه، حتى لا نقع في براثن الإعلام الفاسد، ومن المهم أن نتذكر أن أمريكا لم تنزل على القمر في أحلام اليقظة أو بصياغة دواوين شعر في جمال القمر، وإنما بالمنهج العلمي الذي يقارب ما بين الطرح النظري ومعطيات الواقع في إطار جدول أسبقيات زمني عملي.

 

إن غياب الرؤية والغموض يجب أن ينجلي فورًا، نريد ملاحًا حقيقًيا في قمرة القيادة، فلن يستطيع حالم أن يقود السفينة في هذا الخضم المائج، خاصة إذا كان هذا الحالم بلا خريطة أو بوصلة أو حتى خبرة سابقة، كما لا يجوز أن يصبح الوطن ويمسي على إشاعات وتصريحات ووعود يتم نفيها أو إنكارها فيما بعد، ويجب أن يكف مكتب توجيه الإعلام عن لعب دور المكتب السياسي الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق، أو أمانة السياسات في الحزب الوطني، كذلك يجب أن يرى الناس القضبان وأعني بها الوسائل والإمكانيات المتاحة والاتجاه العام، وأن تتم مصارحتهم بحجم المشاكل، وهي ضخمة، بدلًا من دغدغة مشاعرهم بأحلام يقظة لا يمكن لمعطيات الواقع أن تحققها في المستقبل القريب.

 

اتصور أنه حينما يرى الناس بوضوح معالم الطريق، وأن هناك مساواة حقيقية في تحمل الأعباء، فأنهم سيكونون على استعداد لتحمل المشاق بل والتضحية من أجل بلوغ الأهداف المتوخاة، أما إذا استمرت حالة الغموض مقترنة بذلك الظلام الدامس، واشتد ظمأ الناس إلى حركة إيجابية للأمام مع استمرار نفس السياسات الفاشلة، وإذا استمر التردد وحالة الإنكار، والتردد في الأقوال والأفعال، فإن ملايين الشعب لن تعبأ إذا تجددت الثورة غدًا، واندفعت الجموع كتيار جارف كي تزيح الوعود المزعومة وأصحابها بلا عودة هذه المرة.

 

يجب أن يعرف أهل الحكم، وكل حاكم، أنه أجير. ونحن السادة، ولسنا عبيد إحساناتكم أو أوهامكم.

 

اعلان

اهم الاخبار