اغتصاب السائحة البولندية في قناة الشرق !

اغتصاب السائحة البولندية في قناة الشرق !

ما شاهدته وسمعته يجعلني لا أحتاج إلى مقدمات أو مؤخرات بل أدخل فورًا في الموضوع:


بثت قناة "الشرق" يوم الأربعاء الماضي برنامجا قدمه أحدهم يبدو فيه وكأنه يتحدث بموضوعية وبمهنية عن معالجات الصحافة المصرية للقضايا والمعارك اليومية التي يخوضها الشعب المصري في ظل الظروف الحالية. كل خطأ أو خطيئة في مصر. كل هفوة، كل غلطة، كل كارثة أو مصيبة تجد طريقها إلى هذا البرنامج، تحت ستار أنها معالجات صحفية منقوصة أو مجتزأة أو خاطئة أو منافقة أو مغالطة.

 

باختصار كل معالجات هذه الصحافة لا تقول الحقيقة من وجهة نظر القناة! نفهم أن ينتقد البرنامج ارتفاع الأسعار أو سوء حالة المستشفيات أو تزايد نفوذ الجيش وإحكامه القبضة على المشروعات الاستثمارية، حتى إن القطاع الخاص المصري لا يستطيع المنافسة أو الحصول على عقود استثمارية تجعله شريكا في التنمية بأي معيار وغير ذلك من المشكلات من ارتفاع الأسعار وجنون الدولار إلى التضخم وزيادة الدين المحلي والخارجي إلى معدلات غير مسبوقة، لكن الذي ليس مفهوما ولا قابلا للتصديق ما أقدم عليه مقدم البرنامج (وما هو بمقدم، وما هو بصحفي).


القضية التي أثارني عرضها في البرنامج الذي عرضته قناة "الشرق"، لم تكن من القضايا الأخلاقية التي ساقها من واقع ما تنشره الصحافة المصرية، ولا ما ركز عليه عن قضايا القتل وجرائم الشرف ولا ما حاول تصويره على أن الشعب المصري كله فقد إيمانه وقيمه وبات كله يضع دبره في دبر الآخر، وبات يزنى كله في بعضه، الابن مع أمه والأب مع ابنته وهلم جرًا! رغم سفالة الطرح واللمز والغمز الذي أقدم عليه من ليس بمقدم وليس بمذيع وليس بصحفي، إلا أن الذي مزق أحشائي ليس الجانب الإيماني في الموضوع، فللإيمان رب يحميه وللإسلام رب أنزله وقادر على أن يحفظه، فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين. وإنما كان تناوله لحادث السائحة البولندية التي (توفيت - أو انتحرت - أو قتلت - أو انتهكت أو أو الخ) لا أستطيع أن أعمل محققا بوليسيا لأعرف ماذا حدث لها وهل هي انتحرت أم قتلت أم أنها انتهك عرضها وتم اغتصابها كما أوحي لنا مقدم البرنامج الذي لا هو بمقدم ولا هو بمذيع، وكما حاول أن يستبق التحقيقات، محاولا ما وسعته حيله وأكاذيبه وخداعه وفقدانه للشرف، أن يقول أنه لا يقطع برأي ولكنه يناقش ما قدمته الصحافة المصرية عن هذه القضية - وغيرها - على ضوء ما نشرته الصحافة العالمية!

 
فجأة أصبحت هذه الصحافة وحدها هي التي لا يمكنها أن تكذب أو تلفق أو تعالج الحوادث من زوايا المصالح الوطنية للبلد الذي تصدر فيها وتعبر عنها! الصحافة والمواقع البولندية وغيرها هي التي استقصت وهي في الخارج الحقيقة وقدمت للعالم قضية (السائحة البولندية) والتي هي الخبر رقم 1 في صحافة العالم كله، إلا عندنا في مصر، كما يزعم ويروج ويدعي! فمعالجة الصحافة المصرية مشينة وخاطئة وتعتمد على المصادر المجهلة إما صحافة بولندا ومواقعها وصحف أوروبا ومواقعها فلا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. وكأن حادث سقوط الطائرة المصرية القادمة من فرنسا لا ينهض دليلا على أن وسائل الإعلام في قضايا محددة تتوحد مع بلادها ولو على حساب الحقيقة، انطلاقا من دوافع الغيرة الوطنية.


يقينا أنا وأنت وأنتم نعرف أن صحافة مصر ليست في أحسن أحوالها، وأنها تطبل للرئيس وتزمر للرئيس وتنافق الرئيس والجيش والشرطة والمسئولين والوزراء وكبار رجال الدولة وأنها وأنها... لكن هل يجيز ذلك لمصري، في قضية مثل قضية السائحة البولندية أن يتطوع فيضفي مصداقية على ما تورده الصحف البولندية وغيرها ومواقعها الإلكترونية، لمجرد أنه يريد أن يصم النظام الحاكم بكل نقيصة وأن يجلل بالعار والشنار كل تصرفاته؟

 
من المعروف أن قضية جوليو ريجيني كانت قضية ذات أبعاد حقوقية وعمالية وظهرت بعد ذلك أبعاد أخرى كالجاسوسية والصراعات المخابراتية ونحو ذلك. لكن معالجة القضية اختلفت لأن لها أبعاد. فنحن ضد كل تعذيب أو قتل أو اعتقال يهدر كرامة الناس، وحينما كانت الأدلة قويه على أن ريجيني تعرض في وطننا لمثل هذه الإجراءات، فإننا انتقدنا الدولة والإجراءات التي اتخذت بحق المواطن الإيطالي نقدا عنيفا. لكن في قضية السائحة البولندية الوضع مختلف. فالحديث عن هتك عرض واغتصاب سائحة يلوث سمعة المصريين. يلوث سمعة الشعب، ويحوله من شعب وهب النور والحضارة للعالم إلى شعب همجي، يهرول وراء غرائزه ولا يحترم ضيوفه ولا سياحة الذين دخلوا إليه آمنين فتعرضوا لأبشع أنواع الأعمال والسخافات والقذارات والإهانات.

 

هذا الفعل يشين المصري إذا أقدم عليه ولا يشين جهاز شرطة أو نظام إلا إن كانت الجريمة تمت في نطاق المؤسسات الشرطية أو بإيعاز منها. لكن المذيع الذي ليس بمذيع أخذ يروج ويروج للحديث عن الواقعه باعتبارها مشينة شعبيا ومشينة رسميا، وربما يتحمل وزرها عبد الفتاح السيسي رئيس الدولة نفسه، الذي لم يراقب السائحة حفاظا على حياتها! لم يكف مقدم البرنامج الذي ليس بمقدم عن الإيحاء بأننا كلنا كشعب مجرمون، وذلك لسبب وحيد هو أننا نعيش في ظل النظام الحالي الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، من اغتصاب للسياح وقتل للناشطين وزج بالحقوقيين في السجون. وتدمير للاقتصاد وبيع للأرض والعرض الخ! هذا المعتوه لم يكف عن الترويج والزعم بأن الصحافة الأوربية عالجت القضية على نحو مهني، بينما عالجته صحافتنا المصرية بشكل "هليهلي نفاقي استعباطي"! صحافتهم تعمل بشكل مهني. وتقوم بعمل صحافة استقصائية بالصور والمستندات لتستجلي حقيقة انتحار السائحة واغتصابها ونحن نطرمخ ونكفي عالخبر ماجور!


لو أن المذيع الذي ليس بمذيع قدم فقط صحافتنا مقابل صحافتهم من دون إيحاءات ومن دون أن يلوث شرفنا بمحاولاته المجرمة إلصاق تهمة لم تثبت بنا، ولو أنه اكتفي بعرض وقائعنا ووقائعهم وتساءل أين الحقيقة، من دون تلميح ومن دون إضفاء مصداقية على الصحافة الأخرى لإثبات أن صحافتنا سيئة وغير مهنية وتحولت إلى مسخ في عهد السيسي وعهد الجيش وحكم العسكر كما يقول لهان الأمر.. لكن أن يقرأ كل كلمة نشرتها صحافة بولندا وأوروبا على أنها القرآن المنزل والحقيقة المطلقة ونحن (أولاد الكلب الذين نغتصب ونتحرش وندفع السياح إلى الانتحار.. نحن أولاد الكلب الذين لم يعد لنا شرف، فلم نعد نرحب بالضيوف أو نكرمهم أو نحفظ أعراض النساء وشرفهن. نحن أولاد الكلب الذين لا نثور ضد النظام الذي يحتجز مرسي ويسجن الإخوان ويصادر ممتلكاتهم ويسرق رئاستهم للدولة وعضويتهم للبرلمان وسيطرتهم على مقاليد الأمور. نحن أولاد الكلب الذين نستحق العقاب لأننا لم نثر على الأوضاع وتسببنا في خراب الاقتصاد وسيطرة داعش واستفحال حرب سيناء وأصبحت صورتنا في العالم كله أننا انقلابيون انقلبنا على الرئيس المنتخب) ففي الحقيقة يجب أن نلقي جميعا وبسرعة بكل المياه التي في أفواهنا لنقل له ولأمثاله في قناة الشرق ومكملين ونحو ذلك أن مثل هذا النقد لا شرف فيه. بل هو نوع من الدعاره الإعلامية على حساب وطن لن يبقى أسيرا لأحد.. لا السيسي ولا العسكر ولا الإخوان ولا أحد. بل سيبقى للمصريين فقط.

 

كلكم زائلون وسيبقى الوطن.. سيبق الوطن مهما حاولتم وبدناءه اغتياله في أخص خصائصه.

 

اعلان