قليل البخت يلاقي العضم في الكرشة!

قليل البخت يلاقي العضم في الكرشة!

 

قبل أن نقرأ: لا تغلق مصر بعد الثورة، ولا بعد ٣٠ يونيو ملفاً واحداً أبداً! كل الملفات مفتوحة.

 

يتواصل نزيف الدم ، ويستشهد رجال من الجيش والشرطة كل يوم ، في مشهد متكرر، يندي له القلب حزناً ونزفاً ، والعقل خجلاً و ذهولاً ، ويتكرر المشهد بلاتوقف وكأنه لا دروس مستفاده في هذا الملف المتخم!

 

تطل حرائق الطائفية برأسها ، في أحضان الدعاة لها من الفريقين ، وعلي إثر ذلك تنفجر عبوات ناسفه واحزمة ملغومه ، أو يفجر انتحاريون أنفسهم في الكاتدرائيات والكنائس ، فيقتل من يقتل ويصاب من يصاب .. وتبيت مصر ليلتها متشحة بالحزن والسواد .. ومع كل ذلك ورغم التأمين ورغم الحراسات الخاصة ، يتكرر المشهد ، ويبقي الملف مفتوحاً بقوه، يستدعي صراعا من نوع اخر بين دعاة التحريض علي الاقباط باعتبارهم لايجوز مصافحتهم وتهنئتهم في الاعياد لانهم كفار ، وبين الدعاه إلي تجديد الخطاب الديني،من رئيس الدوله إلي أساتذة الجامعة ،ومن إبراهيم عيسي إلي إسلام بحيري.. ومن خالد الجندي إلي مفتي مصر في استراليا الدكتور مصطفي راشد.ومع هذا يبقي الملف ساخنا مفتوحا يستعصي علي الاغلاق!

 

يخرج مبارك من سجنه ، فيذهب إلي بيته، والاتهامات الحقيقية التي كان واجبا ان توجه له لم تعرف طريقها إليه، ويظهر جمال وعلاء وسط الناس ، ولاأحد يستطيع أن يصل إلي الملاذات الآمنه التي لاذت إليها أموالٌ ، يعرف العالم عنها بإكثر وأدق ممانعرف نحن! ومع هذا لايمكننا الوصول إلي شيء نهائي في هذا الملف !

 

وتتصالح الدوله مع حسين سالم..عراب بيع الغاز المصري وأشياء أخري لإسرائيل ( الكيان الصهيوني بحسب قناعات مناضل قديم).. ورغم هذا لايزال هناك الكثير مما يجعلا ملفه مفتوحاً يستعصي علي الاغلاق!

 

ملف العلاقات مع العدو أيضا يستعصي ليس علي الإغلاق ، وإنما علي التصديق ! ففي مقالي المنشور الأسبوع الماضي تحدثنا عن تطور مثير وهو سماح إسرائيل لمقاتلات الأباتشي المصرية بالإقلاع من مطاراتها(!!!) لقتال "داعش" في سيناء! شكراً ياست إسرائيل ! لكن في الحقيقة فإن الاسرائيليين " مابيعملوش حاجه لوجه الله" أبداً كما نعرف.. فالحرب علي داعش في سيناء تعني مزيداً من إنهاك الجيش المصري في ملاحقة الارهابين، وبالتالي فهذا معناه ان حدودها آمنه لاتمس، وان حماس أيضا تحت الحصار، لأنها لن تستطيع أن تقوم بأي عمليات في ظل هذه الظروف وتحت رقابة الجيش المصري.. وهكذا فكل الظروف تلعب لصالح الاسرائيليين. وأما أنهم لايفعلون شيئا لوجه الله او لوجه مصر فهذا واضح من ذهابهم بكل ثقة إلي التحكيم الدولي في قضية منع توريد الغاز المصري لهم بعد إندلاع ثورة يناير!

 

تتحسر نفوس المصريين علي الخراب المستعجل الوارد إلينا، علي ظهر أوراق حكم نهائي لمحكمه سويسرية بتغريم مصر ملياري دولار في قضية وقف تصدير الغاز الي اسرائيل اثناء ثورة يناير! في قلب هذا المشهد ينبغي أن نستدعي إلي الذاكرة هنا أننا نخضع لشروط قاسية من صندوق النقد الدولي للحصول علي شريحة جديدة بقيمة 1.2 مليار دولار- من أصل 12 ملياراً وافق علي إقراضها لنا-وذلك في منتصف يونيو المقبل.. وكأننا نستذل حتي نحصل علي قروض دولية ،وبدلاً من استخدامها في مشروعات تنمويه ، نضطر لسداد غرامات التحكيم الدولية!

 

في الوجدان والعقل  وفي عقيدة الجيش المصري، فإن العدو واقعياً هو إسرائيل.و تصريحات القادة والعسكريين تقطع بأن العدوالاول لمصر هم الاسرائيليون ..وان خرائط المعارك التي يتدرب عليها جيشنا الباسل هي مسرح العمليات الإسرائيلي !! أم المفاجآت هنا أن يحدث هذا التنسيق الآن مع العدو ، بحيث أننا نستخدم مطاراته للإنطلاق لمحاربة الارهابيين في سيناء ، وفي نفس الوقت تقاضينا إسرائيل علي خلفية قرار وقف تصدير الغاز المصري إليها عقب سقوط مبارك ؟! المعروف أن خط الغاز إلي إسرائيل تعرض إلي التفجير مرات عديدة بعد الثورة ، ولم يعبأ المصريون آنذاك بتوقف ضخ الغاز المصري ، بحسب الاتفاقيات المبرمة في العصر اللامبارك ، برعاية وتخطيط حسين سالم ، فقد كان يحدونا الامل في إعادة التفاوض مع الاسرائيليين ، لثقتنا في أن الاسعار التي يتم توريد الغاز بها أقل بكثير من المعدلات العالمية . ومن أسف أننا لم نستطع إقناع العالم والتحكيم السويسري في قلبه ، بأنه لم تكن هناك دولة في تلك الاثناء ، إنما هنالك ثورة تريد إسقاط نظام ، وأن المجلس العسكري الذي تولي بعد مبارك كان يدير البلاد ، في غيبة نظام حكم منتخب ، يمكن محاسبته وتغريمة ، في حال إخلاله بالاتفاقيات الدولية

 

الاخوه من الاخوان وحزب الوسط بقيادة محسوب وعصام سلطان وغيرهم  تحدثوا كثيرا وقت أن كانت الدنيا تدين لهم ،  عن اموال مصر المنهوبه ، وعن تجهيز ملفات لتقديمها للقضاء للدولي لمواجهة  تغريم مصر مليارات الدولارات ، بل أوهمونا بإمكانية استعادة أموالنا التي تم تهريبها بحرفية واتقان شديد إلي الملاذات المالية العالمية وسويسرا في مقدمتها ، ثم تركوا لنا هذه "الحوسة"الشديدة ،وهذه الغرامات المليارية، ولم يصارحنا أحد.. بما في ذلك رجل منا ومن ثورتنا هو السيد حسام عيسي ( نائب رئيس الوزراء السابق) بأننا سنخسر هذه القضايا، ومع أنه كان موجوداً وحاضراً في قضية " سياج" الشهيرة ، إلا أننا خسرنا 300 مليون دولار!  الحقائق تقول أنه لم تكن لدينا قدرة علي منع تفجير خط الغاز باستمرار ، وقد تم تفجيره عمداً مرات كثيره ، ولم تكن هناك دوله مع سقوط النظام ، فالمجلس العسكري لم يكن أكثر من  اداره فاشله للبلاد . وفضلا عن ذلك، ففي تلك الأثناء كان الشعب المصري كله يغلي رافضا لتصدير الغاز لاسرائيل ، لان السعر الذي تم البيع به كان بخساً إلي حد شديد. ومع هذا ياتي قضاء سويسري ليمنح اسرائيل ايضا ملياري دولار من لحم الحي المصري!

 

ملف مفتوح وجرح نازف ، قد يكون في الطريق مثله،لأننا بكل أسف لانتعلم الدروس ولا نغلق الثغرات ونترك الملفات مفتوحة! خبراء القانون واساطينه وفقهاء مجلس الدولة يرون أن مصائبنا مع التحكيم الدولي بدأت عندما تمت إزاحة القضاء عن مهمته في مراجعة العقود، والصياغات القانونية الضعيفة، وعدم سد الثغرات التي تمتليء بها العقود وهذا كلام ليس من عندي وانما قاله المستشارون صدقي خلوصي ومحمد حامد الجمل ومحمد الشيخ وآخرون.

 

فيما مضي خسرنا التحكيم في قضية سياج بنحو 300 مليون دولار، وخسرناه في قضية مطار  رأس سدر( 530) مليون دولار ، وخسرنا تعويض صفقة إطارات سيارات عالميه غير مطابقة للمواصفات، ولايزال أمامنا فضيحة خسارة 78 قضية عقود إنشاء خارجية!

 

لماذا يظل هذا الملف جرحا نازفا مفتوحاً علي مصراعيه؟ هناك من يقولون بنقص الكوادر وقلة الكفاءات في هذا المجال، وهناك اجماع علي تضارب السياسات وتفيشي الفساد الإداري والذي يمكن رجال الأعمال من الحصول علي أحكام لم يكونوا ليحصلوا عليها في وجود قوانين تحمي المصالح الوطنيه ( الأهرام - 8مايو 2014)

 

بعد أن قرأنا: للخبير القانوني في قضايا التحكيم الدولي دكتور عادل عامر وجهة نظر تقول أن علينا البحث بدقه وبدأب عن ثغرات قانونيه في هذه الاتفاقيات للإمتناع عن تنفيذ هذه الاحكام كما فعلت الارجنتين وبلجيكا . فهل هذا ممكن؟

 

ربما كان شعبنا "قليل البخت" فعلا ، يذهب قادته  للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بحثا عن قروض يتلقون شرائحها علي مراحل بشق الأنفس وبعداختبارات عديدة أو مهينة، وبعد أن يفعل ، ويتمني أن "يشم نفسه"، يفاجأ بانه يخسر الجلد والسقط في قضايا التحكيم الدولي.. "وتيتي تيتي .. مثل مارحتي مثل ماجيتي" حسبما يقول المثل العامي الخليجي... ولماذا نذهب بعيداً : أليس المثل العامي  المصري أكثر واقعية وملاءمة في مثل هذه الاحوال ؟اليس واقع الحال يقول  " قليل البخت يلاقي العضم في الكرشة"!!   

 

اعلان