شعب فاسد لرئيس صالح !

شعب فاسد لرئيس صالح !

محمود الشربيني

محمود الشربيني

21 أبريل 2017

المصريون في حالة حرب! يقتتلون مع أنفسهم كل يوم. بل كل لحظة. الأصدقاء. الأقارب. الإخوة. الجيران وحتى من لايعرفون بعضهم بعضًا!

 

رفاق العمر يتقاتلون! يوسعون أنفسهم ضربا بالكلمات، يتنابذون بالصفات، يسحقون تاريخهم النضالي الطويل معا، فبالأمس غنوا للحياة والحب والديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. واليوم يعزف كلٌ منهم لحنًا منفردًا!


حالة حرب يعيشها المجتمع اليوم، جانب منها على خط النار، حيث الدواعش وجماعات التأسلم السياسي، وجانب آخر منها في قلب الحياة اليومية، حيث يطحن المصريون الغلاء والكواء والفساد والتقدم إلى الوراء، والابتعاد عن كل قيمهم الأصيلة في التنوع والتعدد والتسامح والابتكار والخلق. الناس فرق وأشياع، منهم من هو مؤيد شرس للرئيس. ويقول لك السيسي خط أحمر. ومنهم من هو مؤيد أيضا للرئيس، لكنه تأييد مشروط. باعتبار أن المسئولية كلها تقع على عاتق الرئيس. وهنالك طبعا المعارضون الجذريون للنظام، وأغلبهم من المنتمين للإخوان، وقليل منهم ممن يناهضون "حكم العسكر".


تبدأ المعركة ويطل الخلاف برأسه، عند أي محاولة للإجابة عن السؤال: على عاتق من تقع المسئولية الفعلية عن هذا الواقع المؤسف الذي نعيشه. المؤيدون للرئيس يسوقون لك أكثر من سبب: "شبه الدولة" الذي نعيش فيه. ذلك التوصيف الذي يبدو لي إنه بلا نهاية. "فساد الشعب" نفسه، حيث رسم مبارك خطًا طوليًا في أعماق كل مصري، شرخه من الداخل. فلم يعد فيه مجال لقوة أو لتحمل أو لرغبة في عمل أو تطور. بل بلادة. وخمول. وزيف تدين، وزيف علاقات وتنازلات وتخلي عن قيم ومبادىء الخ. فسد كل شيء. الجهاز الإداري والمالي. بيروقراطية. وظلامية. وجهل وتخلف. وإرهاب يضرب كل يوم. فيسقط شهداء من الجيش والشرطة والأقباط وتحرق الكنائس أو تفجر. ويقولون لك أليس هذا هو ميراث الرئيس؟ هذا الفريق مصرٌ على وجوب بلع الزلط للنظام الحالي لأنه في حالة حرب، ولأن الرئيس حفظ الوطن من التحول إلى سوريا وليبيا والعراق واليمن، ولأنه يواجه أعتى التنظيمات الإرهابية من الإخوان إلى الدواعش، فضلا عن أنه أنجز قناة السويس وشيد طرقا وجسورا وحرر أسعار صرف الدولار، ويسير بقوه على خطى إصلاح حال الاقتصاد.


الفريق الآخر مؤيد (أيضًا) للرئيس، ولكنه مختلف مع طريقته وأسلوبه وأدواته في حكم البلاد، من الرجال المحيطين به، إلى المسئولين فيه، إلى الأفكار والسياسات التي ينتهجها الرئيس ونظامه هذا: نظام مرجعيته أمن الدولة، والمخابرات الحربية والعامة. عامود الخيمة فيه قانون الطوارىء. أوتاده رجال كعلي عبدالعال (والأفضل الاكتفاء بذكر اسمه، ليتخيل القارىء نفسه الصفات الواجب أن تلصق به وتطلق عليه)، وشريف إسماعيل. الوزير الأول الذي يليق بالنظام وليس بالدولة المصرية، وطارق عامر محرر الدولار ومذل الجنيه وحارق جيوب المواطنين، فضلا عن زوجته التي استحقت لقب الأسوأ في أثناء فترة توزيرها للاستثمار، أما وزير الصحة إياه، فحدث عنه ولا حرج!


ومن الأوتاد الجديدة الوتد الدائم الأستاذ مكرم محمد أحمد، والزميل كرم جبر، رجلا الإعلام في عهد مبارك، واللذان لم يجد النظام الحالي عنهما بديلا لضبط إعلامه الجديد!

 
اقتتل الصديقان والأخوان والجاران والجالسان بالصدفه على المقهى. وقال أنصار الفريق الأول للثاني لن ننتقد بلدًا أو نظامًا في حالة حرب على كل المستويات! ثم إذا كان هذا العبدالعال فاشلًا في كل شيء، وقانون الانتخابات هو الأسوأ، والبرلمان الذي انتخب بموجبه هذا هو أداؤه، فما هي علاقة السيسي بذلك؟ تقولون أن أداء الحكومة سيء وأن الوزراء والمحافظين ليسوا خلاقين ولا مبتكرين، وأسألكم ما علاقة الرئيس بوزير أو بمحافظ لا يعمل ولا يبتكر ولا يخطط؟


صحيح أن الرئيس تسلم من أسلافه "شبه دوله"، لكن هل حدث ما يوحي لنا بأننا على الطريق لاستعادة "كامل الدولة" بقضها وقضيضها؟ أم أن الرئيس سيكمل مدته الرئاسية وهو يقول (وانتم معه) أنه يحكم شبه دولة؟ هل سنظل نحكم بمعايير ملتبسة؟ بمعنى آخر إلى متى نستند في تبرير الإخفاق إلى هذه المقولة: "شبه دولة". أما عندما تتحقق بعض النجاحات، فإننا نتهلل ونزغرد ونقول حققنا المعجزات في زمن عزَّتْ فيه المعجزات.

 
كثير من بالعي الزلط للرئيس يعتقدون أنهم بتأييدهم المطلق له إنما يشدون أزره ويقوون نظامه يقولون: "إخوان الشر" ينتظرون كل نقد نوجهه ولو بحق للنظام، حتى يجيرونه لصالحهم ويستفيدون منه في حربهم مع النظام.

 
لا بأس. أنتم بذلك لا تعينون النظام على أن يخرج من عثرته، فنخرج معه منها. أنتم والنظام تخشون من الاعتراف بفشل، فيتم تجيير الاعتراف لصالح نظام بائد. وفي رأيي أنكم تمنحون هؤلاء قيمة كبيرة جدا، فمن قال إن الأنظمة "معصومة" أو يوحي لها، فلا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا ترتكب الأخطاء؟

 
لو أننا وضعنا منظومة صحيحة للأمور منذ البداية، منذ أن انطلقنا معا في يونيو وفي يوليو 2013 لكنا قد أطلقنا المارد. لكن السلسلة المتوالية من الأخطاء قادتنا إلى هذا المصير. بدأنا نبتعد منذ أن وضعنا قانون التظاهر بكل عيوبه، فأمسكنا بالمتظاهرين وأودعناهم السجون، فذهب المعارضون سياسيا خلف القضبان وبقي السلفيون والمتأسلمون يحرضون على العنف ويساندون الإرهاب ويعبثون بنا كطابور خامس يعيث في مجتمعنا الفساد. قتلنا أنبل بناتنا، برصاص الشرطة بدم بارد، ولم ندفع دية الشهيدة (شيماء الصباغ نموذجًا) وأنا هنا أستخدم وصف الرئيس لها والذي لا يعترف به مؤيدوه!

 

أودعنا الشباب في السجون، وعاقبناهم على موقفهم المعارض بالسجن. فلماذا الإمعان في الخزي بمنع الدواء وعيادة الطبيب لهم، وقد يلقون حتفهم! أشعنا في مجتمعنا فكرة التقسيم إلى"أنتم شعب واحنا شعب" فكانت النتيجة مزيدا من التشرذم والتقاتل، وبات كل فريق منا شعبًا منفلتًا يعتدي على حقوق الآخرين بلا رادع أو ضابط. كلما علا صوت أحد منتقدا الفساد، إما سلطنا عليه البرلمان فأقصاه، أو استخدمت صلاحيات الرئيس فأحيل للاستيداع. أطلقنا الكلاب المسعوره في الفضائيات تغتال المعارضين فلم يعد لدينا شخص واحد فيه"الرمق" يمكن أن نعده للمستقبل إذا أصاب الرئيس مكروهًا، وكيف لا والنبي محمد نفسه فجعت الأمه فيه بوفاته. دعونا الناس للتبرع لأجل إنشاء قناة السويس الجديدة من دون أن نفكر في تداعيات دفع فوائد هذا المبلغ الرهيب (60مليارًا)، إذا لم تحقق عائداتنا من القناة - كما أوهم الفضائيون الشعب - المزيد من الدولارات. شيدنا الطرق الجديدة في أنحاء شتى، بينما مستخدموها موسميون، يذهبون عبرها إلى المصايف والمشاتي ولم نفكر في الطرق القديمة التي تحصد أرواح الأبرياء كل يوم. وتذيقهم بحفرها ومطباتها وضيقها وزحامها صنوف العذاب.

 

قدمنا رجالا من نوع على عبد العال ليتولوا أمور التشريع والرقابه فأجهزوا على الرأي والرأي الآخر ومزقوا القليل من المعارضين تحت القبة وفقا لقاعدة "اضرب المربوط يخاف السايب".. أقصينا من المشهد كل رأي يخالف أو ينتقد أو يشكك أو يخرج عن الاصطفاف. وتعلقنا بكل كلمة ولو كانت مجرد كلامًا انشائيًا اعتبرناه يصب في وطنيتا حماها الله. نتحدث عن التطوير والتحديث في المجتمع يقولون لك الشعب كله فسد.تتحدث عن الفساد يقولون لك وما علاقة الرئيس. تتحدث عن استئثار الجيش بكل المناقصات والمشروعات فيقولون لك نعم نؤيد ذلك ولو كان فيه الفساد! 


يرتكن بعض المؤيدين إلى أنه لا يوجد حلول ممكنه لكارثتنا الحالية، لأن الشعب كله فسد، ومع أن هذا الشعب 90 مليون نسمة، لو فسد ثمانون لبقى على الأقل عشرة ملايين قادرين على الإبداع والخلق. ويقول المثل الخليجى "لو خليت خربت".. ويقول النبي: الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة. ومهمة أي نظام البحث عن الأكفاء والقادرين على الخلق والابتكار، ومن لا يزالون يتعطرون بعرق العمل والإصرار والإخلاص، لكن النظام الحالي لا يجد رجالًا أكفاء سوى من عهد الساقط مبارك. فهؤلاء هم رجاله وهم أمله وهم الذين لديهم الحل والعقد!

لو كانوا كذلك يا سيادة الرئيس لكان (مبارك) نفع نفسه!

 

اعلان