الرئيس والله والدستور

الرئيس والله والدستور

ظل صدى الهتاف الشهير «يا سادات قول الحق كارتر... ولا لأ»، الذى علت به أصوات متظاهري انتفاضة الخبز في 18 و19 يناير 1977 أمام منزل الرئيس المؤمن على كورنيش الجيزة، يلاحق الرجل حتى في أحلامه، فصاحب نصر أكتوبر لم يكن يتوقع أن تخرج الجماهير لتنتقده بل وتسبه علنا بعد أن عبر جيشه خط بارليف.

 

بعد أن هدأت عاصفة الانتفاضة، سطرت صحف مصر أكبر معزوفة نفاق جماعي في حق "بطل العلم والإيمان" وزايد رؤساء التحرير على بعضهم في مسح جوخ السادات وهو ما أصابه بما يعرف فى علم النفس بالـ«ميجالومانيا» أو «وسواس العظمة».

 

كانت بوادر تلك الحالة المرضية قد ظهرت على «بطل الحرب والسلام» عقب انتصار أكتوبر، لكنها تزايدت ووصلت إلى حالة حرجة بعد تجاوز أزمة 18و19 يناير، غذى ذلك حملات «النفخ» التى تعرض لها، والتى وصلت إلى أن الشيخ محمد متولي الشعراوي وزير الأوقاف حينها رفع عنه التكليف والمسألة حتى أمام الله، وقال تحت قبة البرلمان: «والذى نفسى بيده لو كان لى من الأمر شىء لحكمتُ لهذا الرجل الذى رفعنا تلك الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة ألا يُسألَ عمَا يَفعل».

 

بعد تلك الواقعة جن جنون الرجل، لم يكن بإمكانه الاستماع إلى كلمة نقد أو مراجعة.. اتخذ قرراه بالصلح المنفرد مع العدو الصهيونى، ووقع اتفاقية كامب ديفيد، وبعدها بشهور، وتحديدا فى مطلع عام 1981 قدمت السيدة فايدة كامل، عضو مجلس الشعب وزوجة وزير الداخلية الأسبق النبوى إسماعيل، مقترحا بتعديل المادة 77 من الدستور، بما يسمح له بأن يبقى لمدد غير معلومة، بعد أن كانت المادة تنص على أن «مدة رئيس الجمهورية 6 سنوات ويجوز أن تجدد لمدة واحدة أخرى»، فجاء التعديل ليلغى حرف التاء المربوطة من كلمة مدة ويستبدل بها حرف الدال فتصبح «مدد أخرى».

 

كالعادة، حازت «تعديلات الهوانم» الدستورية على تأييد غير مسبوق، وصوت نحو 11 مليون ناخب بـ«نعم»، فيما رفض التعديلات ما يقرب من 60 ألف شخص، وصفهم السادات بـ«العناصر الشاذة»، فى كلمة شهيرة ألقاها فى سبتمبر 1981، وبعدها بأسابيع اغتاله «أولاده» فى حادث المنصة الشهير، ليستفيد خلفه مبارك من تلك التعديلات، ويجسم على صدورنا 5 مدد رئاسية، جرف فيها كل شىء، ودمر معظم مؤسسات الدولة.

 

جمد مبارك السياسة، لنحو عقدين، وقضى على التجربة الحزبية التى لم تكن اكتملت بعد، وزوّر الانتخابات النيابية لصالح حزبه «الوطنى»، لكن أول ما امتدت يده للعبث فى الدستور عام 2005، تمهيدا لمشروع «التوريث»، بدأ الشارع فى الحركة، وتشكلت كيانات جديدة، وتصاعد الغضب حتى سقط «المخلوع» فى ميدان التحرير فى 25 يناير 2011.

 

مع دوران ماكينة اللعب في الدستور الجديد الذي وافق عليه نحو 98% من المشاركين في استفتاء 2014، تصاعدت حدة النفاق للرئيس المفوض عبد الفتاح السيسي، ووصل الأمر إلى أن رجال الدين – إسلامي ومسيحي- رفعوه إلى ذات المنزلة التي رفع الشعراوي إليها السادات، فقال عنه البابا تواضروس بطريرك الكرازة المرقسية في تصريح تلفزيوني الأسبوع الماضي، أنه "يستمد قوته من الله، ويسير بخطوات مؤيدة من قبل الله"، بينما أكد مستشار شيخ الأزهر الدكتور محمد مهنا أن له مكانة كبيرة عند الله، وقال عضو هيئة علماء المسلمين في ندوة عن الأزهر بأسيوط: "لو كنت أملك دعوة مستجابة من الله لدعوتها أن ينصر الله السيسي ويؤيده علي أعداء الوطن في الداخل والخارج".

 

لا أعلم كيف لرجل دين مؤتمن على دعوة الناس إلى طريق الله، أن يصل به الحال إلى نفاق أحد عباد الله بهذه الطريقة، فبدلا من أن يغرس في مريديه قيم العزة والكرامة والحق يقف بهم على ناصية الخنوع والتذلل.

 

ماكينة تعديل دستور 2014 الذي حدد مدة الرئاسة في 4 سنوات وحصرها على مرتين وحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، مازالت في مرحلة "التليين"، والتوقعات أن تدور العجلة بكل قوة خلال أيام، وستتعالى معها أصوات معزوفة النفاق لتصل ذروتها مع تكفين "إنجاز الثورة الأوحد".

 

اعلان