الحاجة لحلم جديد

الحاجة لحلم جديد

هاني بشر

هاني بشر

13 مارس 2017

 

شاركت فور تخرجي من الجامعة في دورة مكثفة عن حقوق الإنسان بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان. وكان أحد المحاضرين في الدورة الدكتور عبد المنعم تليمة أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة الذي رحل عن دنيانا مؤخرا.

 

وفي وسط المحاضرة سأل الحاضرين عن تلخيص ما نحتاجه في مصر وقتها ونحن في مطلع الألفية الجديدة. تنوعت إجابات الحاضرين ما بين الحرية والديموقراطية ودولة القانون.. إلخ.. وحين رفعت يدي قائلا إن مفتاح ما نحتاجه هو الحلم، رد بصوته الجهوري وقال: "الله، هو ده." ولوح بيده بطريقة مسرحية وشرع يشرح أهمية الحلم ويوضح أنه الطاقة التي تدفع الناس للنضال والتضحية والكفاح. نزلت كلماته، رغم بسطاتها، بردا وسلاما علينا وقتها ونحن في مقتبل الحياة العملية نبحث عن وظيفة ونناقش مستقبلنا الشخصي ولدينا همٌّ بالمجال العام. وأعطنا شرحه أملا في أن أحلامنا على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام للبلد لن تذهب سدى لأن الحلم نور.

 

في الحلم تكمن بذور الصبر والمقاومة، فالحالمون لا يمكن ترويضهم أبدا.

 

كان هذا قبل ثورة يناير بعقد كامل حين وصلت الأحلام إلى ذروتها وبلغت الآمال عنان السماء قبل أن تسير الثورة في موجات الصعود والهبوط وتخبو هذه الأحلام العامة شيئا فشيئا. وقد أحسنت المخرجة ساندرا نشأت حين صنعت فيلما قصيرا قبل ثلاثة أعوام تقريبا طافت من خلاله على فئات عمرية مختلفة في الشوارع والحواري والمزارع المصرية تسألهم عن أحلامهم. وكانت المفاجأة أن معظم الناس تستغرب السؤال. والذين أجابوا عنه، ذكروا أحلاما تتعلق بسلامة أبنائهم أو الزواج والستر..إلخ. وغاب الحلم العام عن حديث معظم من قابلتهم.

 

يرتبط الحلم في المزاج الشعبي غالبا بأمر سلبي غالبا يتعلق بالكسل والنوم وليس بالأمل والسعي. وحين تسير السياسة في منعطفات سيئة يغرق معظم الناس في الواقعية الشديدة التي تفضي إلى ما يشبه اليأس. ويصبح الحديث عن الحلم دربا من الفكاهة والوهم. ولا فرق في هذا بين نخبة وأناس عاديين أو سياسيين وغير سياسيين، فالكل يتأثر بالمناخ السائد سلبيا وإيجابا. حتى الأجيال الجديدة والشابة بدأ الحلم لديها يرتبط بفكرة السفر والخروج من مصر، هذا إن وجد الحلم أصلا أو كان أصحابه يملكون للخروج سبيلا ولو ضيقا لعمل أو سفر.

 

التجارب والتاريخ يخبرانا بأنه مهما بلغت قسوة الواقع فإن تغييره يبدأ غالبا بحلم يجد طريقه للتحقيق ليحل محل الواقع القديم.

 

التجارب والتاريخ يخبرانا بأنه مهما بلغت قسوة الواقع فإن تغييره يبدأ غالبا بحلم يجد طريقه للتحقيق ليحل محل الواقع القديم. فلم يكن مارتن لوثر كنج يملك سلاحا وهو يطلق جملته الشهيرة "عندي حلم" عام ١٩٦٣ أثناء مسيرة واشنطن للحرية. كان فقط يريد أن تحقيق مستقبل يعيش فيه السود مع البيض بحرية ومساواة. ساهمت هذه المسيرة في صدور قانون الحقوق المدنية الذي يمنع التمييز في الأماكن العامة عام ١٩٦٤ وقانون حق التصويت ١٩٦٥. شاهد مارت لوثر كنج جزء من حلمه يتحقق قبل اغتياله عام ١٩٦٨. وبقي الحلم كرة تتدحرج وتكبر. وظن كثيرون أنها وصلت منتهاها بانتخاب أول رئيس أسود لأميركا هو بارك أوباما. فإذا بخليفته ترامب يريد أن يسير على نهجه بممحاه، فما وجد الناس هناك سوى الحلم القديم لمواجهة غطرسة القوة في الولايات المتحدة والذي للأميركيين طاقة متجددة لمواجهة سياسات الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الرامية لإعادة عجلة التاريخ للوراء.

 

نحتاج هذه الأيام إلى حلم جديد فمنه تنبثق طاقة النور وينبعث الأمل. وفي الحلم تكمن بذور الصبر والمقاومة، فالحالمون لا يمكن ترويضهم أبدا، كما يقول الأديب البرازيلي الشهير باولو كويلو. إن الواقعية الشديدة وإجراء الحسابات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المعقدة لا تتناقض مع صك رؤية للمستقبل في شكل حلم جديد.

 

اعلان

اهم الاخبار