العقاب النفسي للسجين

العقاب النفسي للسجين

هاني بشر

هاني بشر

06 مارس 2017

 

خرج نجل صديقي من السجن بعد اعتقال دام ثلاث سنوات لأسباب سياسية. حلت صورة صديقي وابنه محل صورته الرئيسية على صفحة الفيس بوك وابتسامتهما تزين الوجوه. اتصلت بصديقي مهنئا على خروج ابنه الذي لم يتم عامه العشرين بعد. حمد الله على نعمة الحرية وقال إنه خرج ولم يخرج، فالسجن باقٍ معه حتى إشعار آخر.

 

 الشاب الطليق يسرح كثيرا ولا يدخل في حوارات معتادة مع أسرته. يناقش أبواه في أمور سياسية وقد تبدلت كثير من قناعاته. العديد من المناقشات في الشئون العامة تنتهي مع أبيه وأمه إلى طريق مسدود. هل أنت بخير يا ولدي؟ تسأله أمه. يجيب: أجل، ولكن اتركيني وحدي قليلا. يودِّعه أبوه قبل نومه فيلاحظ أن ابنه يقيس عرض سريره بالشبر قبل أن يأوي إلى فراشه. يسأله: لم تقيس السرير؟ يرد: لأن مساحتي نومي على الأرض كانت في عديد الأيام عشرين سنتيمترا.

 

كنت أعتقد أن معاناة السجن تقتصر على المسجونين وما يتعرضون له من ضغوط وحرمان من الحرية.

 

عانى الطفل المعتقل من مسألة التأقلم مع السجن حين دخله أول مرة ولم يكن قد أكمل عامه السابع عشر، وتعرف على طعم الحرية الحقيقي حين حرم منها. كان أفضل حالا من كثيرين، فلم تكن تهمته تقتضي التعرض لأنواع التعذيب المتعارف عليه مثل الضرب أو الصعق الكهربائي. كما أنه استطاع استكمال دراسته أثناء الحبس وحصل على درجات عالية في الثانوية العامة أهلته للقبول في الكلية التي كان يأمل الالتحاق بها.

 

تمر أيامه بعد السجن وكأنه قد تقمص شخصية الطبيب الفرنسي الدكتور أليكساندر مانيت في رواية قصة مدينتين للأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز حين يفقد إحساسه بالواقع بسبب تجربته في الحبس. كان الدكتور مانيت أحد المسجونين الذين خرجوا من سجن الباستيل قبل اندلاع الثورة الفرنسية. وكان صوته بعد خروجه عميقا جدا ويجسد معاناة ليست لها علاقة بسوء تغذية السجن أو آثار تعذيب بدني بل شيء أهم وأكبر وهو وهن العزلة وعدم الاستعمال، على حد وصف ديكنز. كان الدكتور مانيت يأوي دائما بعد خروجه من السجن لغرفته المعتمة ويستغرق في التركيز في صنع الأحذية. لم يتعرف سريعا على أهله وأصدقائه حتى ابنته والتي بدأ الانتباه إليها بالتدريج بسبب شعرها الذهبي الطويل الذي ذكره بوالدتها.

 

ينتمي الدكتور مانيت ونجل صديقي وآلاف غيرهم إلى فئة الذين تركوا برد الزنازين وانتقلوا إلى سخونة الحياة، فلا يستطيعون العيش في هذا أو ذاك وإنما في منزلة بين المنزلتين. هم في الغالب سجناء رأي أو سجناء ضمير لا يدرون في قرارة أنفسهم لماذا يدفعون هذا الثمن الباهظ لجرم لم يرتكبوه؟ وحين تأخذ معاناة السجن شكلا آخر بعد الخروج، لا تجد غالبا من يطبب تلك الجراح النفسية أو يساعد هؤلاء على العودة السليمة للحياة وسط بني البشر مرة أخرى. فمن ذا الذي يسمع شكوى من تحرر وهناك عشرات الآلاف غيره يحلمون بتجاوز قضبان السجن.

 

خلال عملي الصحفي، تعاملت كثيرا من قضايا الاعتقال والسجن والظلم بوصفها قضايا سياسية تبدأ من لحظة القبض على المتهم وتنتهي بالإفراج عنه. وبين هذا وذاك تحظى قضايا التعذيب البدني المروع باهتمام الحملات الحقوقية وأولوية التغطية الصحفية. كما يلعب منصب المعتقل السياسي ونشاطه العام دورا هاما في إبراز قضيته ولو لبعض الوقت. ولكن ما أعاينه من مشاكل المعتقلين مع المجتمع بعد الإفراج عنهم يحتاج إلى وقفة واهتمام من نوع خاص وسط ثقافة عامة لا تشجع على الذهاب للطبيب النفسي وتخجل من البوح بأزماتها النفسية رغم الصراخ الصامت الذي يدوي في أعماق كثير من هؤلاء.

 

سألت عمن يمكن أن يساعد مثل هؤلاء فعرفت أنها إحدى مهام مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب. هذا المركز الذي أخذ على عاتقه مهمة منسية وهي التأهيل النفسي قصير وطويل المدى للناجين من التعذيب، سواء في مصر أو خارجها، بالإضافة لتوفير البرامج العلاجية في هذا المجال. لكن السلطات أغلقت هذه المؤسسة المهمة مؤخرا بدلا من دعم تجارب مشابهة. وهي نهاية مؤسفة لتجربة ولدت قبل أكثر من ربع قرن على يد ثلاثة أطباء نفسيين هما عايدة سيف الدولة وسوزان فياض وعبد الله منصور.

 

تواصلت مع الدكتور مأمون مبيِّض، وهو طبيب نفسي أيرلندي من أصل سوري كنت قد تعرفت عليه قبل فترة في لندن، وأخبرني عن اهتمامه بهذه القضية وأنه ألَّف كُتيبا صغيرا عنوانه "الرعاية النفسية لسجين الرأي والأسير، التأهيل الجسدي والنفسي والاجتماعي." يقدم هذا الكتاب لغير المتخصصين بعض الأساليب العملية للتعامل مع هذه الظاهرة. ويشرح أزمة أخرى تتمثل في أن تعامل البيئة المحيطة بالسجين المفرج عنه قد تسئ إليه نفسيا وتفاقم حالته بحسن نية بسبب عدم الوعي باحتياجاته. فهذا السجين المحرر قد يكون مصابا بالإجهاد النفسي عقب الصدمات والذي يجعله يسترجع كل ما مر به من أوقات قاسية وكأنها تحدث أمامه بالفعل ويرى المشاهد ويشم رائحة الدماء مثلا في استدعاء متكامل لعناصر الألم الذي مر به.

 

السجين يحتاج إلى رعاية نفسية أثناء وبعد حبسه ويحتاج سجانه إلى رعاية مماثلة ليستطيع أن يعيش حياة طبيعية.

 

كنت أعتقد أن معاناة السجن تقتصر على المسجونين وما يتعرضون له من ضغوط وحرمان من الحرية حتى عرفت من الدكتور مبيِّض أن السجَّان أيضا لديه أعراض صدمات نفسية بشكل ربما يفوق المسجون نفسه. وقد عاين حالة أحد المعتقلين السابقين في سجن جوانتنامو وحالة أحد السجانين الذي عملوا هناك. وكانت المفاجأة أن السجان لديه أعراض صدمات نفسية أكثر من المسجون.

 

يتبين لنا أن السجين يحتاج إلى رعاية نفسية أثناء وبعد حبسه ويحتاج سجانه إلى رعاية مماثلة ليستطيع أن يعيش حياة طبيعية وسط البيئة غير الطبيعية التي يعمل فيها. هذا إن كان عمل هذا السجان يسير وفق القواعد القانونية ومبادئ حقوق الإنسان أصلا، وإن لم كذلك فإن معاناة السجان تكون مضاعفة. إذا كانت السجون قدرا عقابيا لا مفر منه، فهي قطعا لم تبنَ لتعاقب المسجون نفسيا. وليس أقل من مراجعة تأثيراتها النفسية والحد منها لأن تأثيراتها السلبية ممتدة بشكل واسع للمحيط الاجتماعي.

 

اعلان

اهم الاخبار