الجمال في حضرة عبد الرحيم كمال

الجمال في حضرة عبد الرحيم كمال

هاني بشر

هاني بشر

20 فبراير 2017

 

يقال إن الشعر ديوان العرب. يدونون به أحداثهم وأحلامهم، فيمزجون بين ما هو حقيقي وما هو مجاز، وبين ما هو عقلي وما هو عاطفي قلبي. ذهب العرب وبقي شعرهم. غابت سيرتهم وبقيت ما دونوه في القصائد في عصر لم يشهد الفيديو أو الكاميرا. وجاء عصر آخر دخل فيه التليفزيون إلى البيوت وانتقلت الثقافة البصرية إلى الغرفات الخاصة، وأصبح الجميع كبارا وصغارا على موعد من شهرزاد الكهربائية تروي لهم حكايات يومية في قالب يسمى الدراما التليفزيونية. دراما تجسد الثقافة والتاريخ المعاصر من جهة وتصيغ ثقافتها الجامعة مشتركة من جهة أخرى. قصص تجمع المشاهد المصري مع المغربي مع الشامي والخليجي أمام الشاشة الصغيرة. فالذين لم يتذوقوا الشعر ذاقوا بضع مسلسلات في حياتهم حفرت بداخلهم ذكريات وحكايات يستدعونها بشكل واع أو لا واع في سياقات الحنين. وأصبح المسلسل ديوان العرب الجديد يؤرخ لأزيائهم وعاداتهم وثقافتهم على مر العصور.

 

تجربة عبد الرحيم كمال وهي في أوجها الآن لا تعود فقط لمهارته ككاتب وإنما لهذا الحلم الذي بزغ منه ويعبر عنه دائما.

 

وفي بداية الإنتاج الدرامي العربي، كان الطريق ذا اتجاه واحد، من الأدب إلى هذا الوسيط الثقافي الجديد. فتحولت أعمال الأدباء والكتاب الكبار لمسلسلات تليفزيونية حتى برزت أسماء عدة في سماء الدراما التليفزيونية من أمثال محمد جلال عبد القوي وأسامة أنور عكاشة وغيرهم. وأنا شخصيا من محبي أعمال هذا الأخير وأتيح لي لقاءه بضع مرات أثناء دراستي في الجامعة وأخبرني عن حلمه بتأسيس معهد للدراما التليفزيونية تابع لاتحاد الإذاعة والتليفزيون يخرِّج أجيالا من كتاب السيناريو. وهو الحلم الذي لم يرَ النور في حياته وأتمنى أن يتحقق يوما ما.

 

تغير الزمان وهذه سنة الحياة لكن لم تجدد الدراما المصرية شبابها خلال الفترة الماضية. يقول محمد جلال عبد القوي مؤلف مسلسل المال والبنون في حوار له مع صحيفة المصري اليوم العام الماضي إن المناخ الحالي لم يعد مناخهم، والدراما الحالية تخرج بشكل لم يتعودوا عليه. ويضيف أنه ينتمي لجيل أرسى قواعد الرواية التليفزيونية مع محفوظ عبد الرحمن الذي أرسى القواعد ذات الجذور التاريخية وعكاشة الذي أرسى القواعد ذات الجذور الأدبية ويسري الجندي الذي أرسى القواعد ذات الجذور الشعبية.

 

ربما كان هذا سبب شعوري وربما شعور كثيرين غيري عزفوا عن متابعة الإنتاج الدرامي العربي عموما مكتفين بذكرياتهم الطيبة مع مسلسلات الثمانينات والتسعينات، حتى أعادني الكاتب والسيناريست الموهوب عبد الرحيم كمال إلى هذا العالم مع مسلسله الرائع الخواجة عبد القادر قبل عدة سنوات. وقد شاهدت المسلسل وقتها بناء على نصيحة بعض الأصدقاء ولم أكن أعرف مؤلفه حتى بحثت عن هذا الساحر الذي صاغ هذه الحكاية المعقدة التي تربط الماضي بالحاضر والصعيد بلندن ومصر بالسودان. وقتها كنت في مهمة عمل بتونس وأخبرني بعض الأصدقاء التونسيين عن عبقرية عبد الرحيم كمال ولم أكن أدري أن له مريدين هناك. وعرفت بعد ذلك كم السعادة لدى الأشقاء السودانيين الذين وجدوا أنفسهم في دور بطولة مسلسل درامي مصري يدمج قصة أبناء وادي النيل.

 

أعادني الكاتب والسيناريست الموهوب عبد الرحيم كمال إلى عالم الثمانينات والتسعينات مع مسلسله الرائع "الخواجة" عبد القادر قبل عدة سنوات.

 

تجلت عبقرية كمال أيضا في مسلسلات أخرى تنوعت بين قوالب أدبية مختلفة. فمن المعالجة الأدبية لنص الملك لير لشكسبير في بيئة الصعيد في مسلسل دهشة إلى مسلسل ونوس وعلاقة الإنسان والشيطان، دخل هذا السيناريست بفلسفته إلى جوانب في أعماق الشخصية المصرية ربما لم يسبقه أحد إليها دراميا.

 

إن الكتابة للدراما التليفزيونية، كغيرها من الفنون، ذاتية الطابع أي تترك شخصية مؤلفها بصمة فيها. ولهذا لا يكفي أن يتعلم أحد فنون هذه الصنعة من دون أن يكون لديه التجربة والشغف والحلم الذي يدفعه دفعا ليعبر عن نفسه دراميا. وهو تعبير أدبي وفني يصيغ به فلسفته في الحياة والعلاقة بين البشر. ولهذا فإن تجربة عبد الرحيم كمال وهي في أوجها الآن لا تعود فقط لمهارته ككاتب وإنما لهذا الحلم الذي بزغ منه ويعبر عنه دائما. فهو الصوفي العاشق القادم من الصعيد والمتماهي مع ثقافة وجه بحري. يكتب القصة والرواية بعيون مواليد السبعينات الذي ينتمي إليهم. ويمكن رصد عمق كمال بسهولة خلال الحوارات التليفزيونية التي أجراها رغم قلتها. وقد أحسن صنعا بابتعاده عن التصريحات الإعلامية المتكررة وحفظ وقته وطاقته للتفكير والإبداع ليحلق بالمشاهدين، مصريين وعرب، إلى آفاق بعيدة من الجمال في عصر يصم فيه الرصاص ودعوات الكراهية الآذان.

 

اعلان