صحافة مبارك بين النفاق والمعارضة !

صحافة مبارك بين النفاق والمعارضة !

يطاردنى دائما اتهام بالنفاق للرئيس الأسبق مبارك .. ينسى الذين يوجهون الاتهامات أن ما كتبته كنت مقتنعا به – ومازلت - .. يتناسون أن الصحافة المعارضة آنذاك كانت فى عنفوانها وتسب وتلعن فى نظام الحكم بكل حرية .. كانت كفتا الميزان متوازنتين .. دفاع هنا ونقد هناك .. اتهم الزميل إبراهيم عيسى فى الإصدار الثانى لصحيفة الدستور النظام الأسبق بكل شىء متجاوزا أى مواءمة أو ما يسمونه بالخطوط الحمراء .. وكتب الأستاذ عبد الحليم قنديل لمبارك مقالا شهيرا بعنوان "انى أتقيؤك" ولا أنسى انتقادات الأستاذ عادل حمودة للنظام ورجاله ولم يسلم منه أحد حتى شيخ الأزهر الراحل الإمام سيد طنطاوى الذى صوروه مرتديا بدلة رقص وأحيانا متقلدا صليبا .. صحيح تمت محاكمته ولكن لم يسجن ودفعت صحيفته 80 ألف جنيه غرامة. 


فى حلقة "القاهرة والناس" التى أُذيعت مساء الثلاثاء الماضى كان الحوار شيقا جدا مع الأستاذ محمد على خير وزميلته دينا .. لكن الأستاذ أحمد سالم المحاور الثالث فى البرنامج انهال علىَ لوما وانتقادا وهو يعايرنى بأننا نافقنا الرئيس الأسبق وجملناه .. وساق مثال على ذلك مقال "البعرور" الذى كتبته عام 2007 عقب زيارة قام بها مبارك للملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز فى مزرعتة الخاصة بالسعودية .. ويبدو أن زميلنا أحمد لم يقرأ المقال وسمع عنه من آخرين كالعادة .. كما لم يستوعب طبيعة الكتابة لعدد أسبوعى واختلافها عن اليوم.

 
الذى يتهمك بالنفاق يتغاضى عادة عن دراستك وأسلوبك وثقافتك ويتشبث باتهام تلوكه الألسنه طعنا فى نظام ومحاصرة لكاتب قرروا تصفيته ومنعه من الكتابة ونجحوا فى ذلك أربعة أعوام إلى أن أتاح زملاء كرام له الفرصة فى "مصر العربية" و"المصري اليوم ". 

 

الصحفيون لا يعجبهم شيئا .. من كان يعارض مبارك ثم تحول إلى تأييد السيسى يطلقون عليه متحول .. والذى بقى عل مبدأه هو فلول .. وكالعادة لا ينظر أحد الى إمكانياتك المهنية أو قدرتك اللغوية .. طالما كنت مع العهد البائد فأنت فاسد مثلهم .. والذين يجاملون الرئيس السيسى اليوم سينقلبون عليه غذا إذا ما تولى رئيس جديد. 


إن الهجوم الدائم على رجال أى عهد يطلقون عليه فى الصحافة الحديثة "الدافع السهل" بمعنى أنك لا تجهد نفسك فى انتقاد الخصم بأسلوب علمى .. ولكن تلجأ إلى العموميات حتى لا تجهد نفسك فى مناظرة أو مناقشة .. وهو نفس أسلوب الإخوان المسلمين فى انتقاد خصومهم حيث أطلقوا ألفاظا مثل "التضليل الإعلامى" لتلتصق بأى أحد .. وكذلك يزعم  من قاموا بـ "انتفاضة يناير" أنها سُرقت منهم لتبرير الفشل فى نتائجها والكوارث الاقتصادية والأمنية وانهيار ملف الحريات وغير ذلك .. ورأيى أن "يناير" لم تكن محفظة يتم سرقتها فى الأوتوبيس .. من يقول ذلك على يناير يهينها ويهين أصحابها وهو فى هذا يطبق نفس مبدأ "الدافع السهل" وهو فى الحقيقة أسوأ أنواع الدفاع بل اتهام شديد الخطورة. 


وهنا لابد أن نوجه سؤالا للأستاذ أحمد سالم  مذيع القاهرة والناس "كم عدد الصحفيين الذين تم سجنهم فى عهد مبارك" .. بل كم عدد السجناء فى مصر كلها الآن وسابقا .. هل بنى مبارك

"سجونا" جديدة كما يحدث الآن؟ هل مستوى المعيشة أصبح أفضل؟ هل ملف الحريات يتطور للأحسن؟ هل ما حدث مع نقابة الصحفيين من حصار وضرب الصحفيين وجيوش "المواطنين الشرفاء" التى كادت تحتل شارع عبد الخالق ثروت وترفع عليه علم السعودية حدث مع مبارك؟ لماذا رغم الهجوم القاسى من الصحف الحزبية والخاصة على النظام لم نقرأ مصطلحات مثل جشع التجار والسيطرة على الأسواق؟ هل أصبح الجميع فجأة مواليد 25 يناير 2011 .. على أيه حال عصر مبارك لم يكن مثاليا ولا قلنا أنه "جنة رضوان" بل كان هناك زواج المال بالسلطة والاحتكار وفساد بعض الوزراء والسياسيين .. لكن الصحافة والإعلام – بالذات – كانا أفضل من الوقت الراهن مئات المرات. 


تذكروا ما كان يكتبه الراحل العظيم أحمد رجب عن الحكومة والبرلمان وما يرسمه مصطفى حسين الله يرحمه .. فلاح كفر الهناودة كان يسخر من عاطف عبيد وأحمد نظيف وعاطف صدقى وفتحى سرور فى جمل وكلمات لو قيلت اليوم لحكم عليهما بالسجن مدى الحياة .. هل توجد صحيفة قومية أو خاصة تستطيع كتابة عمود "أنور وجدى" الذى كان يسطره أستاذنا إبراهيم سعدة .. ويصاب الوزراء وأعضاء مجلس الشعب والشخصيات العامة بإسهال مساء الجمعة انتظارا لعدد أخبار اليوم الذى يصدر السبت ويوزع 750 ألف نسخة. 


من يريد المقارنة "العلمية" عليه أن يضع صحف أمس واليوم بين يديه .. وإذا أصر على أن الحرية الآن أفضل فعليه أن يذهب لطبيب لارتداءه نظارة نظر تعينه على الرؤية الصحيحة .. 
أعود إلى ما يتردد عن مقال "البعرور" الذى أثاره الأستاذ أحمد وقبله كثيرون .. وأرد عليه بما كتبت وليعود إلى الأرشيف الصحفى بتاريخ 27 يوليو 2006 وهو التاريخ الحقيقى للمقالة التى نقلها موقع "انفراد" يوم 5 نوفمبر 2007 .. وبالتالى فإن الأستاذ أحمد سالم استند إلى أقاويل الإخوان الذين يعارضهم فى اتهامى وما كان له أن يستند لخصومه فى اتهام ضيفه. وكما تعلمون فإننا فى الصحافة لا نستند إلى بلوجر أو نستخدمة كمرجعية لأنه يخلط بين الرأى الشخصى والحديث فى إخلال جسيم بالمهنية.


والحقيقة أن المقال مكتوب يوم الخميس 27 يوليو 2006 بعد زيارة مبارك المهمة لمنطقة الباحة بالسعودية حيث أصدر مبارك والملك الراحل عبد الله بيانا مشتركا يدين العدوان الإسرائيلى المتكرر ضد لبنان .. كان لابد للأستاذ أحمد سالم إذا أراد "التاريخ" أن ينصف قبل أن يهجو .. فأولا المقال مكتوب تحت باب "حكايات أسبوعية" .. وهو باب لا يعتمد على أخبار أو تحليلات سياسية ولكنه "حواديت" عن الشوارع والقصور والبشر والتقاليد التى كتبتها على مدار سنوات كنوع من أدب الرحلات .. وهذه الرحلة بالذات للسعودية لم يكن مسموحا بدخول كاميرات سوى للأشقاء فحاولت نقل صورة قلمية بصرية لما دار فى الخيمة الملكية بعد المحادثات المغلقة التى صدر عنها بيان هام. 


الخطأ الثانى أن الزيارة تمت يوم الثلاثاء 25 يوليو وبالتالى فقد كان التحليل السياسى والأخبار وما انفردت به كصحفى منشورا فى عدد الأربعاء 26 يوليو وفيه تطرقت إلى اقتراحات مبارك لوقف العدوان الإسرائيلى على لبنان والأراضى الفلسطينية المحتلة والتحرك السعودى والمصرى لاحتواء الموقف ومكالمة شيراك للزعمين التى كانت أول دعم دولى لجهودهما. جاء تحليلى فى يوم الأربعاء عن قمة مصرية سعودية على ارتفاع 2500 متر ومبارك يصف جو الباحة بأنه مشابه لباريس .. وكانت هذه الزيارة الثانية لمبارك للسعودية فى عام واحد حيث سبقتها مشاركته فى القمة العربية بالرياض فى مارس من نفس العام.


الخطأ الثالث أن مقال البعرور الذى اعتمد عليه الأستاذ أحمد مستمد من "بلوجر" يتعمد السخرية من مبارك ورجاله فهو يبدأ الهجوم قائلا "حسنى أفندى انظروا من يأخذه على طائرة الرئاسة وكله على حساب صاحب المخل" .. هذه المقدمة الساخرة المغرضة لا يصح لصحفى مبتدىء أن يبنى عليها استنتاجات خصوصا وأن المقدمة مكتوبة بلغة عامية ركيكة هدفها الرئيسى محاولة تصويرى أننى انهمكت فى الأكل ولم أعر اهتماما للمحادثا - هذا إذا ما كانت هناك محادثات أصلا - .. وهو تحقير لزعمين عربيين يجعلك تخشى أن تبنى موقفا على تخاريف.


الخطا الرابع أن مقال العدد الأسبوعى الذى كنت أكتبه بأسلوب المجاملات اللبنانية والمنقول على بلوجر بعد 15 شهرا من الزيارة فيه اعتراف صريح منى بأننى لم آكل شيئا ولا امتدت يدى إلى طعام لثلاثة أسباب .. الأول مرضى بالضغط والسكرى اللذين يمنعانى من الدهون .. والثانى أننى لم أكن أعرف اسم هذا الكائن الذى يزين كل الموائد إلا بعد أن غادرت الخيمة .. والثالث أننى كنت منهمكا فى إملاء الجريدة وقائع المحادثات وأهميتها وخلفياتها والهدف من القمة المصرية السعودية خصوصا أن هناك خلطا عجيبا بدأ يحدث فى الأوراق .. كما سادت مفاهيم خاطئة فى الوطن العربى وانساق الجميع وراء حلم كاذب ووهم فارس مغوار راكبا لحصان أبيض. 


من ثم لم يكن هناك وقت للطعام سوى قطعتين من المشويات وكان لابد من فنجان شاى ولم أجده بعد جهد واستمريت فى الإملاء حتى صعود الطائرة فلم يكن بالخيمة الملكية فاكسا أو كمبيوتر أو إنترنت وكان لابد من الانتهاء حتى ألحق الطبعة الأولى .. أما الطبعة الثانية فكانت تخصص عادة لحديث الرئيس الأسبق لرؤساء التحرير فى طريق العودة.


كنت فى اليوم السابق قد كتبت ضد حسن نصر الله وما يفعله من تدمير للبنان ولم تكن الصورة قد اتضحت بعد .. فقد تصور الجميع أنه عبد الناصر الجديد الذى سيحرر القدس ويلقى إسرائيل إلى البحر وكان ما تصوروه أضغاث أحلام .. وحتى الآن لا أعرف أين النفاق في المقال؟ صحيح كله عند العرب صابون! 

 

اعلان