وطن لا يصادر فكرًا !

وطن لا يصادر فكرًا !

تزامن وجودى فى سلطنة عمان للعمل فى ثمانينات القرن الماضى بتوجيه أصدره السلطان قابوس بن سعيد حاكم البلاد بإصدار موسوعة الأسماء العربية التى قام بالجهد الأكبر فيها مصريان هما الدكتور على الدين هلال أستاذ العلوم السياسية والشاعر  الكبير الراحل فاروق شوشة.

 

تعجبت من هذا الفكر الجديد .. لماذا موسوعة للأسماء العربية .؟ فى مقابلة مع وزير الإعلام آنذاك عبد العزيز الرواس الذى يشغل حاليا منصب مستشار السلطان قابوس للشئون الثقافية اجابنى أن لكل اسم عربى أصل ومنشأ سواء كان لشخص أو مكان أو حتى لنبات أو حيوان .. ارتأت مسقط أن توثق أصول الأسماء فى موسوعة هى الوحيدة فى العالم وتعتبر مرجعا هاما لمعظم الأسماء العربية سواء تلك التى نستخدمها كثيرا أو غيرها من "المهجورة" ويندر استخدامها فى لغتنا الحديثة.

 

فى طريق عودتى ذات مرة من مسقط كان معى على الطائرة د . على الدين هلال ولم يكن قد أصبح وزيرا أو عميدا لكلية الاقتصاد .. دار حديثنا حول برنامج تليفزيونى قدمه فى التسعينات على شاشة التليفزيون المصرى اسمه "الشارع السياسى" .. سألته "بالمناسبة يا دكتور ما هى علاقة السياسة بالأسماء العربية التى اشتركتم فى تقديمها للمكتبة العربية .. قال كل اسم له " شقين " .. لغوى وسياسى .. العرب منذ القدم فى معاركهم ومساجلاتهم الشعرية اهتموا بالقبيلة والبطون والأصول ومعظم التسميات ومشتقاتها تخرج من هذا الوعاء.

 

والحقيقة أن مسقط تهتم بالثقافة مثل اهتمامها بالاقتصاد والسياسة وربما أكثر .. وحرية الرأى منصوص عليها فى النظام الأساسى العمانى "الدستور" لا مصادرة لرأى ما لم يكن مشوبا بالتعصب.

 

العمانيون يؤمنون بالتعددية ويرحبون بالخلاف فى الرأى .. حاكم أعلن قبل 46 عاما عندما بدأ نهضة بلاده عام 1970 بأن من حق الأجيال القادمة أن تشرب من منابع المعرفة المختلفة لتكون رأيها السديد .. هذا الرأى صدر قبل الإنترنت والتويتر ووسائل السوشيال ميديا .. الحاكم آمن أن الانفتاح على الثقافات المختلفة يحمى النشء والشباب من الوقوع فى براثن التطرف والعنف والتشدد .. من ثم تجد المجتمع العمانى يناقشك فى كل شىء وهو على خلاف دول كثيرة مجاورة يرحب بالرآى الآخر ويبتعد فقط عن الأفكار الهدامة التى تمزق المجتمعات.. منذ السبعينات وأنا أراهم مهتمين بالفنون التشكيلية والموسيقى الكلاسيكية والنحت والتصوير .. وطبعا قبل وبعد كل شىء الصحافة التى تنص المادة 31 من الدستور على حريتها طالما لم تتجاوز الحرية المسئولة وتحيد بها عن الطريق القويم.

 

من ثم فلم أتعجب وأنا أتابع أخبار افتتاح معرض مسقط الدولى للكتاب وأرى 370 دار نشر من 37 دولة تشارك فيه بزيادة 200 دار نشر عن العام الماضى .. وزير الإعلام العمانى د . عبد المنعم الحسني افتتح المعرض مؤكدا أن بلاده لا تمنع فكرا أو تصادر رآيا أو تمنع صحيفة .. بالمناسبة البرلمان فى سلطنة عمان يستشهد بالصحافة ولا يهددها مثلما يحدث عندنا فى مصر .. السلطان لا يتدخل ناقدا أو مصححا لمسارها ويترك لها حرية التناول.

 

بهذا أصبح المعرض السنوى للكتاب فى مسقط قبلة ثقافية لدول الشرق والغرب خاصة وهو يضم 1200 جناح و450 ألف عنوان فى مختلف مجالات المعرفة. أما الحضور فكنت أتمنى أن أجدهم فى معرض القاهرة الدولى للكتاب الذى بدأته د . سهير القلماوى عام 1968 وسبق كل معارض الكتب فى العالم ونافس معرض فرانكفورت الدولى للكتاب .. أما حاليا فمعرضنا تشوبة الخلافات وتفتقر ندواته إلى المثقفين الواعيين والصحفيين المتمرسين بينما تجد فى مسقط جاك لانج رئيس معهد العالم العربى بباريس والروائى العربى الكبير أمين معلوف ود . جابر عصفور رئيس المجلس الأعلى للثقافة فى مصر و د. صابر عرب وزير ثقافتنا الأسبق وأشهر صحفى فى العالم العربى الأستاذ طلال سلمان مؤسس صحيفة السفير اللبنانية وأشهر كاتب عمود فى الوطن العربى الأستاذ جهاد الخازن من صحيفة الحياة اللبنانية .. وقد تسألنى لماذا لم نشاهد هؤلاء فى معرض القاهرة الدولى للكتاب وارد عليك اسأل الأستاذ حلمى النمنم أفشل وزير ثقافة مصرى على مر العصور.  

 

اعلان

اهم الاخبار