قواعد الحكم الديكتاتوري

قواعد الحكم الديكتاتوري

أمين إسكندر

أمين إسكندر

28 أبريل 2017

للحكم الديكتاتورى بأنواعه المختلفة سواء كان عسكريا أو مدنيا دينيا، أو مدنيا جاء عبر انتخابات إلا أنه انقلب على الصناديق، مجموعة من القواعد الحاكمة تؤّمن له استمراره في الحكم، وتفتح له المجال للسيطرة والاستحواذ على مواقع القوة في البلد وتجعله يعيش العمر الطويل على المقعد، وهي قواعد متشابهة إلى حد كبير في جميع بلدان الديكتاتورية، مهما اختلف الديكتاتور الحاكم أو الملك أو الرئيس أو الجنرال، فهى قواعد مستقرة يحفظها عن ظهر قلب الديكتاتور عبر مثيله الديكتاتور الآخر سواء كان في التاريخ أو في التنوع الجغرافى للأقطار والدول. 

 

أهم هذه القواعد وعمود الخرسانة الرئيسى لبنيانها: 
1- الشعب هاموش.. الشعب حمص!

 

مهما اختلف الديكتاتور الحاكم أو الملك أو الرئيس أو الجنرال، هى قواعد مستقرة يحفظها عن ظهر قلب.

 

رغم ادعاء الديكتاتور أنه جاء من أجل الشعب، لأجل حياة أفضل له، لأجل تخليصه من الفساد والتهميش والنظام الديكتاتورى، إلا أنه ومن أول أيام حكمه، وعبر طريقته لصنع القرار وتبيان انحيازات قراراته، يتكشف لنا أن الحكم الديكتاتورى حكم فردى، يصدر قراراته دون مؤسسات أو مشاورات أو حوارات لا مع سلطات أخرى في الدولة ولا مع مستشارين، حيث يرى في كل هؤلاء إما معطلين أو غير موثوق فيهم أو ليسوا في مستوى ذكائه ولا منصبه وبالتالى هو المسئول وهو المفكر وهو الملهم وهو العبقرى ونجده يقدم نفسه رئيسا فاهما في كل شيء حتى مدد تنفيذ المشاريع، وهذا هو حاله مع مؤسساته وخبرائه ومستشاريه إن وجدوا، فما بالكم بتعامله مع شعبه أي جمهور المواطنين الذين هم مجرد مصوتين في نظره. 

 

عليهم أن ينتظروا ما يقدمه لهم في سيارات اللحوم أو الزيت والسكر، الشعب في نظرهم يحكم وفقط وحتى يكون حكمهم سهل فلابد من إعمال منطق نجيب الريحانى: بيومى أفندى اديله حاجة، وهكذا يكونوا هم الأسياد كما قالها مدير أمن سابق لأن الشعب في نظر هؤلاء مجرد أعواد من الهاموش أو من حبات الحمص من يمتلك القوة يستطيع فركهم بيديه. وهذه هي القاعدة الأولى التي يتعلمها أو يتمسك بها وينفذها الحاكم الديكتاتور، أى ديكتاتور مهما كان خطابه أو مداعباته للبعض أو حتى بكائه في بعض المناسبات. القاعدة هي هاموش وحمص وغبار على الأحذية. 


2- التحكم في ثلاثية مراكز القوة

أولها الأمن وثانيها الإعلام وثالثها القضاء، حيث إن الأول هو عصاه التي يخيف بها في كل حين والتى يهدد ويتوعد بها في كل حين، وهي الحارسة له والمهددة لناقديه ومعارضيه وهي القوة الضاربة التي تدخل السجون ولو احتياطيا وحتى لو كان في سجن النهضة وسجن المستقبل، وهكذا نجد أن النظام الديكتاتورى يرى أن تقييد الحريات والتأديب لا بدَّ أن نعبر عنهم سجون يطلق عليها سجن المستقبل والنهضة وبدلا من أن يبنى المستقبل وينهض بالوطن، يجعلهما أسماء سجون.

 

ولما كان الأمن هو قوته الضاربة والمسيطرة لا بدَّ من إعطائه الامتيازات حتى ولو وصل إلى مشاركته بقدر في السلطة، والأداة الثانية هي الإعلام، فعبر الإعلام يستطيع أن يرشد سلوك وعقول الناس أو الهاموش أو الحمص، وعن طريق الإعلام يستطيع أن يفرض خطابه ويروجه حتى ينجح في جعله ملء الأدمغة بدلا من خطابات الحقوق والعدالة والثورات التي تؤخر ولا تقدم. كما يدعى، لذلك لا بد من السيطرة على الإعلام وفرض الصوت الواحد والرجل الواحد، لذلك لا يجب أن يكون في الإعلام لا جريدة معارضة ولا مستقلة وكذلك لا كاتب ولا مذيع.

 

الجميع واقفون في طابور الديكتاتور، مادحين له مهللين لعبقريته شاكرين الله على رضاه عنهم وعن الهاموش والحمص. ثم بعد ذلك يأتى القضاة والسلطة القضائية، فهؤلاء هم الذين يخرجون له بالقانون ما يريد، وهم الذين يعطونه الشرعية القانونية والدستورية والشكل الديمقراطى وهم الذين سوف يصدرون الأحكام المحققة لأحلامه وهواجسه بل حتى أحلامه، وكله بالقانون ورحم الله الفنان القدير الراحل حسن البارودى الذي قال الأوراق ورقنا والأختام أختامنا، ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من الامتيازات المالية والأدبية. فإذا توفرت للنظام الديكتاتورى والديكتاتور الأمن والإعلام والقضاء عند ذلك لا بد أن يكون الشعب هو الهاموش والحمص فهم قوة إبادة الهاموش وهم فاركى الحمص ومن أجل أن ينفذوا ذلك باقتدار لا بدَّ أن ينالوا التعهدات بأنهم لن ينالوا عقابًا على إبادة الهاموش وفرك الحمص ولا بد من أن يكون لهم أنصبة كلا حسب وظيفته ودوره وقوته وهكذا يتم ترتيب القوة في السلطة وبالذات في سلطة النظم الديكتاتورية بأنها سلطة أجهزة الأمن والإعلام والقضاء.


3- نظرية الخنزير
يُحكى أن هناك قاضى تقدم له مواطن بشكوى في صاحب المنزل الذي وضع خنزيرا في مدخل المنزل وهذا الخنزير رائحته عفنة وطالب الشاكى بأنصافه وإبعاد هذا الخنزير حتى يستطيع أن يعيش في منزله بأمان وراحة فحكم له القاضى قائلا على المشكو في حقه أن يأتى بحمار بجوار الخنزير وهنا وجد الشاكى نفسه يعيش في جحيم لا يطاق ولا يحتمل فذهب شاكيا فقال له القاضي سوف تستضيف معهم كلب لحراستهم وهكذا وجد الشاكى نفسه واقعا في مستنقع من العفن والضجيج، عندها ذهب مرة أخرى للقاضي يشرح له الوضع المرير الذي يعيشه عندها حكم القاضي بإخلاء المنزل من الحمار والكلب وترك الخنزير لأنه كان مقيمًا في المكان. سكت الشاكى وقبل الوضع مترحمًا على ما كان في منزله من هدوء ونظافة الخنزير. 


وهكذا يدير الحاكم الديكتاتور شئون البلاد.. إذا طلب الناس "الهاموش" بالتعامل الإنسانى في الأقسام، عندها لا بدَّ أن يعطى ضمانات لرجال الشرطة بعدم المساءلة أو التحقيق أو المحاكمة فلابد من ضمانة الإفراج فالورق ورقنا والأختام اختامنا وإذا طلب الهاموش أى المواطنين أن يغير الوزير لأنه فاشل فسوف يأتى بوزير فاسد أو فاشل للمرة الثانية والثالثة وإذا اشتكى البعض من غلاء الأسعار فسوف يصدر القرار بارتفاع الأسعار في أكثر من سلعة حتى باتت الناس تترحم على السابق الذي تم خلعه والسابق الذي تم عزله وطالبت أن تعيش مع الخنزير! 

 

هكذا يدير الحاكم الديكتاتور شئون البلاد.. إذا طلب "الهاموش" بالتعامل الإنسانى في الأقسام، عندها لا بدَّ أن يعطى ضمانات لرجال الشرطة بعدم المساءلة أو التحقيق أو المحاكمة.

 


(4) بيومى أفندي: اديله حاجة!

رغم هيمنة الحاكم الديكتاتور على الإعلام والأمن والقضاء إلا أنه يعرف أن هناك بطونا جائعة تريد أن تأكل وتملأ نصف البطن.. عندها ينفذ نظرية "بيومى أفندى اديله حاجة"، وبيومى أفندى ممكن يكون رئيس الوزراء أو السيارات التي تحمل الدجاج واللحوم.. لا أحد يُحدث الديكتاتور التي نص عليها الدستور والتى أصبحت للعالم كله سائدة، لا الديكتاتور لا يعترف بالحقوق وإنما من الممكن أن يرأف بأحوال الجوعى والمساكين فيعطى نفحة مباركة من صندوقه أو جهازه أو قواته.


وكل ذلك تحت شعار بيومى أفندى اديله حاجة كما قالها الرائع سليمان نجيب لنجيب الريجانى في أحد أفلامه، وعند ذلك نكون قد اختارنا أن نعيش في دولة الواحد في المائة الذي يحتكر 48.5% من ثروة البلاد والعشرة في المائة التي تحتكر 74.5% من ثروة البلاد والسبعة الملياردرات الذين يمتلكون 68% من الاحتياطى النقدي للبنك المركزة أى ما يعادل 18.1 مليار دولار.


وهذه هي طبيعة النظام الديكتاتورى.. لم يتبق من قواعد لهذا الديكتاتور ونظامه سوى قاعدة "عُلم وينفذ" وهذه القاعدة تطبق على كل من يعاون الرئيس كسكرتارية سواء مجلس الوزراء أو مجلس النواب مثلهم مثل أجهزة الأمن وموظفي الدولة.


تلك هي القواعد الحاكمة للديكتاتورية ونظمها، والمؤكد أن الحصاد خراب ودمار وأن الثورات والانتفاضات قادمة لا محالة.

 

اعلان