لا تكن لصًا !

لا تكن لصًا !

كريم الشاذلى

كريم الشاذلى

18 مايو 2017

 

يُحكى أن فلاحاً أضاع فأسه ذات يوم، وبعدما عصر ذهنه تذكر أن آخر من مر بحقله قبل ضياع الفأس هو ذلك الصبي الذي يعمل في الحقل المجاور له، لم يستطع الرجل أن يواجه السارق المحتمل بما يعتل في صدره لأنه لا يملك دليلاً ملموساً على الواقعة، غير أنه أمضى يومه كله في تتبع الصبي وملاحظة حركته.

 

ولقد تأكدت شكوك الفلاح تماماً بأن الصبي هو السارق، إن مشيته مشية لص، والتفاتته إلتفاتة لص، ونظراته المرتبكة الخائفة هي نظرة لص بلا شك.

 

تحول شك الرجل إلى يقين لا يقبل المناقشة، إن روح الصبي بالنسبة له تحولت إلى بيت من زجاج يكشف داخله الخرب، ويُظهر بوضوح سوء طويته، وانعدام أخلاقه، وخسة معدنه.. قرر الرجل أن يبيت ليلته في داره ثم يعود في اليوم التالي ليخبر السارق أن كل شيء بات واضحاً، ومن يدري لعل أفضل شيء أن يتم اقتياده إلى شرطة البلدة كي يتم معاقبته العقاب المستحق، ويرتاح الناس من خداعه لهم وتربصه بأملاكهم.

 

غير أن الرجل فوجئ حين عودته بالفأس المفقودة ملقاه خلف باب داره!، وذكرته زوجته أنه أحضرها حينما أتى عند الظهيرة لأخذ وجبة الغداء!

 

حينها أدرك الفلاح أن السارق الحقيقي كان هو، سرق بلا تمهل روح الفتى، وعاث فساداً في كرامته، وسمح لنفسه أن يحاكم ويدين بلا أدنى دليل اللهم إلا سوء الظن.

 

علمونا قديماً أن "بعض الظن إثم"، غير أن زمان "الفهلوة" يخبرنا كل يوم أن الظن شيء من حسن الفطن!، وعليه بات الواحد منا سخياً في إصدار الأحكام، سريعاً في إكمال الصورة الذهنية عن شيء أو شخص أو حدث ما، نتعامل مع ظنون النفس وكأنها واقع لا يحتاج إلى برهان، وبالرغم من أننا نفجع بين وقت وآخر بفداحة هذا السلوك، ونخسر من أثر تسرعنا الشيء الكثير إلا أننا لا نتوقف أبداً عن تعلم الدرس.

 

نخسر كثيراً في تعاملاتنا الإنسانية مع الأصدقاء، وفي علاقاتنا الزوجية مع شركاء الحياة، وتربوياً مع أبنائنا، حينما نرفض التحلي بفضيلة التمهل، ونظن أن قوة الشخصية وثباتها في تبني وجهات نظر سريعة، والتمسك بها، ورفض مراجعتها أو النظر فيها.

 

نصرف من أعمارنا أيام وليال ونحن أسرى في مصيدة الظن، تمرح في أرواحنا أشباح قاتمة، نسيء إلى الآخرين، تأخذنا الفكرة الخاطئة لتسلمنا إلى أختها، يكبر بداخلنا المقت، ويفتك بالروح معول الغيظ، ونبني عالماً كاملاً من الخيال المعوج هو على ضخامته أضعف من الصمود أمام حسن الظن والتروي والفهم.

 

والحياة أقصر من أن نمضيها في هذا..

 

أقصر من أن نخصم منها تلك الليالي الموحشة التي نقضيها في هم وكدر منبعه الأساسي تسرعنا وأحكامنا الجائرة.

 

أقصر من أن نضيع بهجتها في معارك خاطئة، ونشغل الذهن بأوهام التحدي وطلب النصر الذي لا يتحقق إلا على أطلال علاقاتنا التي صرفنا زمننا في رعايتها، والاهتمام بها.

 

يا صديقي.. لن يخبرك أهل هذا الزمان عن قيمة التسامح، ولن يرشدوك إلى أن أقرب الطرق إلى راحة البال هو المصارحة، وغض الطرف عن الهنات، وتغليب حسن الظن مع الآخرين.

 

لن يهتم أحد بإفهامك أن رحلة الحياة ستكون مرهقة حين تمضيها بكاهل مثقل بهموم المعارك اليومية التافهة، وصراعات إثبات الذات الوهمية، ومحاولة إقرار أنك على صواب في كل أحوالك.

 

نحن يا صاحبي في زمن "الترند"، كل من حولك سيهتم بتأكيد أن سعرك في دنيا الناس متوقف على قدرتك في صنع حالة من الجدل، ونجاحك مرتبط بأن تكون مذكوراً على ألسنة الناس، وأنك ناجحاً ما دمت مشتبك مع هذا أو ذاك!

 

حسنا .. لا تسمع لهم يا صديقي، صفاء روحك شيء لا يشترى بالمال، وإغماض عينك بصدر سليم يغنيك عن فراش من الحرير ووسادة من ريش النعام.

 

واحذر أن تكون كالفلاح الذي أمضى يومه في توزيع الاتهامات دون دليل، ولا تدخل في معارك يمكن أن تنتهي بقليل من التمهل، وكثير من التسامح وغض الطرف والإكبار.

 

اعلان

اهم الاخبار