السيسي لا شريك له!

السيسي لا شريك له!

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

29 ديسمبر 2017

 

في شبه دولة ما، تنطلق حملة سوقية للغاية "بلدي جدًا"، ذريعتها إقناع رأس السلطة، الذي احتكر في يديه السلطات جميعها، حتى حسبنا أنه سيصدر قرارات تحدد مواعيد "الجِماع" بين الأزواج، بالترشح لفترة رئاسية ثانية.

 

المراد أن يبدو الرجل متمنعًا لا يرغب في المنصب، في حين أن كل المؤشرات تؤكد أنه "راغب بشدة"، ولسان حاله قول شاعرنا "أبي فراس الحمداني"، مشتاقٌ وعنده لوعة، أو المثل الشعبي: "عينه فيه ويقول إخيه".

 

دلائل لوعة الرجل واشتياقه الجامح لفترة ثانية، تتبدى في حملات الردح الفاحشة والاغتيال المعنوي التي تشنها الأذرع الإعلامية، ضد كل منافس جرؤ على خوض السباق الرئاسي، وهي حملات لا يُتصور أن نظامه ليس راضيًا عنها، إن لم يكن داعمًا، بعد استحواذه المباشر على جميع ما يتلقاه المصريون من رسائل إعلامية.

 

سياسيًا ومنطقيًا وعقلانيًا، ليس لحملة "عشان يبنيها" مثيلًا في الشرق ولا في الغرب، ولا حتى في مجاهل المجتمعات البدائية، ولا يوجد لها أيضًا، سند من قانون أو دستور، لكن في دولة الثلاثين من يونيو، دع فكرة القانون والدستور والمنطق والعقل جانبًا، فتلك مفردات بغير قيمة، ألم ينتقد الرجل بعظمة لسانه الدستور الذي أقسم على احترامه؟

 

أصل الأشياء، أن الشعوب لا تستجدي مخلصًا، ولا تبحث عن "مهدي منتظر"، أو راعٍ يقودها كالخراف، أو كبير يملك أمرها، يأمر وينهي فيكون الشعب بين يديه كالميت بين يدي مغسّله، حتى إنه لا يتورع عن الصراخ في وجه برلماني، أي ممثل الشعب: "أنت دارس الكلام ده كويس"، لمجرد أنه اقترح زيادة الحد الأدنى للأجور، أو يقول للناس وحاجباه "سبعة مقلوبة": "اسمعوني أنا بس".

 

هذا رجل يرى نفسه فوق المراجعة، ويعتقد أنه طبيب فيلسوف يرى "منامات"، ليس ممكنًا أن يرتضي أن يُطبق عليه القانون، فيغدو موظفًا عامًا بدرجة رئيس يخضع للحساب والمساءلة، ومن ثم ليس مقبولًا أن ينافسه المتنافسون.. هو بطل العرض الأوحد، وحده لا شريك له.

 

إنه المشير المدني المنتخب، رجل الإنجازات التي ضمتها دفتا كتاب وزنه ثلاثة وسبعين كيلوجرامًا، وهو فوق ذلك الرسول الذي أرسلته السماء لإنقاذ البلاد والعباد، كما يقول سعد الدين الهلالي، في تعبير أقبح من قبيح.

 

على أن تلك التُرهات جميعها، تتلاشى كفقاعات صابون، بالنظر إلى الواقع على الأرض، فالشعبية تدحرجت إلى أسفل سافلين، راحت في ستة آلاف داهية، إثر السياسات المسماة تزويرًا بالإصلاحية، وهي في واقعها "إفقارية"، هذا في أوساط الكادحين في الأرض، ممن انتزعت اللقيمات اليابسة الباقية من أفواههم، في حين يمقت القوميون واليساريون سياساته "الدافئة"، إزاء العدو الصهيوني، وما نجم عنها من تفريط متهتك في جزيرتي تيران وصنافير المصريتين، أما الإسلاميون فليس بينهم وبينه عمارًا منذ البداية، وكذلك الشباب الذين قاطعوا الانتخابات الفائتة، باعتبارها مسرحية سخيفة جملة وتفصيلًا.

 

فمن الذين يؤيدونه إذن؟

 

وكيف يتسنى لرجل خسر شعبيته إلى هذا الحد أن تجمع حملة تأييد له اثني عشرة مليونًا؟

 

هل دخلت تلك الحملة حيًا شعبيًا فعرضت على الناس التوقيع على استماراتها؟

 

الأرجح أن شيئًا من هذا لم يحدث، والأغلب أن مخاطرة كهذه لم يكن ممكنًا أن يخرج المشاركون فيها سالمين، ذلك أن الناس بلغوا الحد الأقصى من الاحتقان، وأرواحهم وصلت الحلقوم.

 

لكن.. ما علينا، هي حملة كما يزعمون، تشهد تدافعًا وتزاحمًا شعبيًا كبيرًا على "تجديد البيعة" لـ"طويل العمر يطول عمره ويزهزه عصره"، وليس مفاجئًا في سياق الكوميديا السوداء، أن يخرج مسؤول ما بها ليعلن أعدادًا غير مسبوقة من التوقيعات، وهو أمر لا يمكن نفيه ولا إثباته، ذلك أن المعروف بداهةً، أن الورق ورقهم والدفاتر دفاترهم، لكن رغم عدم القدرة على النفي أو الإثبات، يبقى في فسيفساء المشهد مساحات شاسعة من العبث والتضليل معًا، ذلك أنه بافتراض وصول الرقم إلى هذا الحد، فليس ممكنًا تجاهل أن مندوبي الحملة يجدون أبواب مؤسسات الدولة مفتوحة للترحيب بهم، من أجل عرض الاستمارات، أو بالأحرى إجبار الموظفين على التوقيع، وهناك في هذا الصدد شهادات متتابعة عن ممارسات فظة، لا يمكن إخراجها من سياق المهزلة.

 

صفوة الكلام: هناك "زفة رخيصة"، تستهدف اختراع صخب أجوف، بأن الرجل الذي لم يعلن ترشحه بعد، ذو شعبية جارفة ساحقة ماحقة، ما يحيل إلى نظرية وزير دعاية النازي "جوبلز": اكذب ثم اكذب حتى تصدق الكذبة فيصدقك الناس.

 

وعلى هذا الأساس، تقام حلقات الزار، وإحراق البخور إعلاميًا: و"الله حي السيسي جاي"، وهكذا يتحرك الإعلاميون الذين يشد القامعون لجامهم فيسوقونهم يمينًا أو يسارًا، في المسار المرسوم، ومن ثم تنبثق الطنطنة بأن الشعب يأمر، وليس لأحد أن يرفض طلب الشعب، ومع تلك الأساطير تشتد بالتوازي وتيرة القرع على طبلة الإنجازات، التي ستتحقق على أرض مصر، خلال العام المقبل الذي سيشهد بدايات الحصاد، وما نحو ذلك من وعود مجانية لا حساب عليها، مثل وعد تطهير سيناء من الإرهاب، وانخفاض الأسعار، وبالعودة إلى البدايات، الوعد بعلاج مرضى الإيدز والالتهاب الكبدي بـ"كفتة عبدالعاطي".. وتعيشوا وتفتكروا.

 

على أن السؤال الذي يبرز أمام هذا العبث الخالص: هل يحقق النظام من وراء حملته تلك أية شرعية قانونية حقيقية؟ وأيضًا.. كيف ينظر إلى نفسه وهو يعلم أن الأمر برمته محض تمثيلية؟

إذا بقيت الأمور على حالها، فهنيئًا للسيسي فترة رئاسية ثانية، هنيئًا له كرسي السلطة، لكنه كرسي لن يكون مستقرًا، بأي حال من الأحوال.. فالشرعية مجروحة، وحملات التطبيل لا قيمة قانونية أو حتى أخلاقية لها.

اعلان

اهم الاخبار