لباس الديكتاتور

لباس الديكتاتور

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

24 ديسمبر 2017

 

دوّت صافرة السفينة البريطانية "بالاس"، إيذانًا ببدء رحلتها إلى خارج المياه المصرية، تلاحقها لعنات أبناء الثغر، وتبصقها الرياح، وعلى متنها وقف المعلم "يعقوب حنا"، يرسل إلى اليابسة التي أخذت تغيب، رويدًا رويدا، نظرات حزينة، حتى صار لا شيء في الأفق إلا الموج.. كلُ الكون بحر.

 

كانت السفينة تقل جنود الحملة الفرنسية، الذين خرجوا من المحروسة أذلاء مكسورين، بعد ثلاث سنوات شهدت ثورتين شعبيتين، تصدى خلالهما "أولاد البلد" بصدورهم العارية لنيران مدافع "الفرنساوية"، وكانت الثورتان انطلقتا إذ نفرت دماء الغضب في عروق العوام، بعدما أبصروا خيول المحتل تدنس الأزهر الشريف، فأسفرت أمام نواظرهم ألاعيب نابليون عن وجه قبيح، و"قرشوا ملحة" الإمبراطور الكذاب، وما عادت أحاديثه العاطفية المنمقة تخدعهم، فإذا هم يتغامزون ويتلمظون بذكره، ويسخرون من خطبه، ومنها رسالته الأولى بعد الغزو: "أيها المشايخ والأئمة، قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون، يكنون الولاء لحضرة السلطان العثماني" وصولًا إلى قوله: "لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية".

 

كان "يعقوب" الذي وُلد في محافظة المنيا قبل الحملة الفرنسية بنحو نصف قرن، قد طلب إلى الفرنسيين أن يأخذوه معهم، مخافة أن يبطش به الشعب، جزاء تحالفه مع المحتل، وتأسيسه "ميليشيات" مسلحة تحارب في صفوفه ضد بني جلدته، بل إنه مضى في الدناءة إلى النهاية، فاتفق مع قائد العسكر الفرنسي على تأليف كتيبة من الأقباط، من ألفي مرتزق، تزيّوا بزي المستعمر، وتسلحوا بالبنادق الفرنسية، فصوبوا رصاصها إلى صدور المصريين، لوأد ثورتي القاهرة الأولى والثانية، وإخضاع الحركات المتمردة التي لاذت بالجنوب.

 

في كتابه "تاريخ الأمة القبطية"، يقرر يعقوب نخلة أن الرجل شيد قلعة على مقربة من الجامع الأحمر في الأزبكية، لتصب أسوارها العالية الرصاص صبًا على المصريين، متى تظاهروا ضد الوجود الفرنسي، وهو رأي يرتأيه كثيرون من الباحثين الأقباط ممن تجردوا من سطوة الطائفية، فلم ينافحوا عن الباطل، لمجرد أن مقترفه مسيحي، ولم يعتبروا أن النظر في سيرته نظرة موضوعية، تحط من شأن الأقباط إجمالًا، فإذا كان ذاك الخائن قبطيًا، فالتاريخ يحفظ في تراجمه أسماء أقباط آخرين، ضربوا المثل في الوطنية، منهم مثلًا: اللواء شفيق متري، أول شهيد من الضباط في معركة العبور، كما يحفظ أسماء خونة مسلمين، فالخيانة لا دين لها.

 

ووفقًا لنخلة أيضًا، فإن كتب التاريخ القبطي تسجل تبرؤ الكنيسة من "يعقوب"، لانحرافه عن تقاليدها العريقة بشأن الولاء للوطن، فضلًا عن مخالفته المصريين في الزي والتصرفات، واتخاذه امرأة خليلة غير شرعية، كما أن رجال الدين لا سيما البطريرك لم يكونوا راضين عنه.

وخلافًا لرأي نخلة، فإن مؤرخًا آخر هو شفيق غربال، يذهب في كتابه "الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس"، إلى أن "المعلم" الذي منَّ عليه الاستعمار برتبة جنرال، لم يكن خائنًا، بل صاحب نزعة استقلالية، وما تعاونه مع الفرنسيين إلا لتأسيس جيش وطني مصري، يكفل الخلاص من مظالم وطائفية المماليك وأيضًا الدولة العثمانية.

 

لكن هذا الرأي لا يصمد أمام وقائع سردها الجبرتي، وهو من هو، فالمعلم الخائن كان فظًا غليظ القلب، حتى إنه كما يقول المؤرخ الأبرز: "استعمل رجلًا اسمه عبدالله لجمع طائفة من الناس لعمل المتاريس، فتعدى على بعض الأعيان، وأنزلهم من على دوابهم، وعسف وضرب بعض الناس على وجوههم، حتى أريقت دماؤهم فتشكوا منه".

 

فهل يستقيم أن داعية إلى تحرر وطنه يقهر بني وطنه بسلاح الأجنبي؟

 

كما أن سيرة الخائن قبل الحملة الفرنسية، تؤكد أن القسوة بقيت ملمحًا ومفتاحًا أساسيين من ملامح ومفاتيح شخصيته، فقد التحق في عهد علي بك الكبير بخدمة سليمان آغا، رئيس الانكشارية، واستخدم القمع لجباية الضرائب، وكذلك تنمية ثروته الشخصية، من دون أن يرق لصرخات الجوعى، سواء كانوا أقباطًا أو كانوا مسلمين، كما حارب في صفوف المماليك ضد قوات حسن باشا التي نزلت مصر، لتثبيت الحكم العثماني قبيل الحملة الفرنسية بفترة قصيرة.

 

هذا معناه ببساطة أنه صنيعة المماليك، حيث تصالحت مصالحه معهم، ثم كان انقلابه عليهم متى رأى الغلبة للفرنسيين، فإذا به يحارب في صفوفهم ضد حلفاء الأمس في أسيوط، ومع الجنرال الفرنسي "ديزيه" الذي أهداه سيفًا منقوشًا على قبضته عبارة: "معركة عين القوصية"، على سبيل الامتنان لدوره في دحر المماليك.

 

وإذا كان مديح العدو لرجل، يمثل بالضرورة دليل خيانته، فإن أحمد الصاوي يرصد في كتابه "المعلم يعقوب بين الأسطورة والحقيقة"، رسالة من الجنرال فرانسوا منيو إلى نابليون يقول فيها: "وجدت رجلًا ذا دراية ومعرفة واسعة اسمه المعلم يعقوب، وهو يؤدى لنا خدمات باهرة منها: تعزيز قوة الجيش الفرنسي بالجنود".

 

ومن دلائل ولاء "يعقوب" للفرنسيين أنه بعث إلى باريس يعرض التبرع بثلث ميزانية إقامة نصب تذكاري، للجنرال "ديزيه" الذي ارتبط وإياه بصداقه خلال مكوث الأخير بمصر، وذلك بعد مصرعه حيث كان يحارب في جيش بونابرت ضد النمساويين.

 

إن رجلًا كهذا لا يمكن الدفع بأي حال بأنه كان ينشد استقلالًا وطنيًا، والمبررات التي تُساق للتدليل على ذلك، بما تشمله من وقائع اضطهاد المسيحيين إلى درجة حرمانهم من ارتداء ملابس بألوان معينة، وإرهاقهم بالجباية تحت ذريعة الجزية، وتقلص عدد الكنائس من أكثر من ألفين عام ألف ومئتين، إلى مائة وعشرة مع نهاية القرن السادس عشر، وما إلى ذلك من ممارسات عثمانية مقيتة، قد دفعته إلى التحالف مع الاحتلال بغية الخلاص، هي في مجملها محض ذرائع واهية، فالثابت أن الدولة العثمانية اضطهدت الجميع، وإذا كان الأقباط اضطهدوا طائفيًا، فالمصريون جميعهم لم ينعموا بالحريات، وقد عاشوا في القهر سواسية تحت نير التحالف العثماني المملوكي.

 

ولعل اقتصار الاشتراك في "كتيبة الجنرال يعقوب" على الجند الأقباط وحدهم، يؤكد أن النوازع الطائفية لم تكن بمنأى عن بواعثه، وأن هرم أولوياته لم يكن وطنيًا تحريريًا أو "مدنيًا" بتعبير معاصر، كما يدعي المدافعون عنه، والثابت أنه متى تداخلت الطائفية الدينية، مع المفاهيم الوطنية، مسختها وشوّهت حراكها، حتى تصطنع في نهاية المطاف استقطابًا مقيتًا، شهدنا حالة حادة له، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، حين شرعت جماعة الإخوان تخلط الوطني بالديني، فاختلط حابل الوطن بنابله، حتى الآن.

 

أيما يكون.. فمع تأهب قوات الاحتلال الفرنسي للرحيل، صعد يعقوب إلى متن سفينة الأعداء المبحرة، ليغادر وطنه الذي طعنه في الظهر، صبيحة العاشر من أغسطس عام ألف وثمانمائة وواحد، وكان أوصى بدفنه إلى جوار صديقه الجنرال "ديزيه"، لكن القدر لم يمهله، فقد أصيب بداء في المعدة، مات إثره بعد يومين، وهو في عرض البحر المتوسط.

ومثلما تختلف الروايات حول خيانته ووطنيته، اختلفت عما إذا كان الفرنسيون نفذوا وصيته، فثمة قول بأنهم ألقوا جثمانه في البحر، وآخر يقول إنهم حفظوها في "برميل نبيذ"، حتى وصلوا باريس، فواروه الثرى بجوار صديقه الجنرال المحتل.

 

وسواء كانت هذه أو تلك، فكلتاهما خاتمة تليق بخائن.. عاش دنيئًا ولاحقه العار حتى الحياة الآخرة.

 

إن مثل يعقوب ذاك، كمثل بهاليل إعلام نظام الثلاثين من يونيو، لكن بينما سمح الفرنسيون بأن يستقل صنيعتهم السفينة معهم، فإن السلطة الراهنة، ارتأت أن ترمي بهم من سفينتها، بعد شراء أصولهم، ليس بغرض التطهير بالطبع، لكن بغية تغيير من حيث الشكل، فالنظم الديكتاتورية تتخلص من بهاليلها، من حين لآخر، مثلما تُبدل بنت ليل لباسها الداخلي الوسخ، والغريب أن نهّازي الفرص، من الواقفين في طابور النفاق الطويل، ينسون دائمًا المثل الشعبي الحكيم: "لو دامت لغيرك لما وصلت لك".

اعلان

اهم الاخبار