من لا يملك ومن لا يستحق.. ومن يبيع

من لا يملك ومن لا يستحق.. ومن يبيع

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

08 ديسمبر 2017

 

قرن بالتمام والكمال، مر على وعد وزير خارجية بريطانيا، بلفور، لعصابات الصهاينة، بإنشاء وطن قومي لهم على أرض فلسطين العربية.

 

مع صدور الوعد المشؤوم، وصفه العرب بأنه وعد من لا يملك لمن لا يستحق، ومعه أيضًا اشتعل النضال شعبيًا، ضد الكيان الذي يُراد غرسه سرطانًا في كبد الأمة العربية.

 

وغني عن القول، إن مياهًا كثيرة جرت في النهر لمائة عام، فمن مذابح عصابات "شتيرن" و"هاجاناه": دير ياسين وأخواتها، إلى العدوان الثلاثي، فهزيمة يونيو، فحرب الاستنزاف، فالعبور، ثم الانتكاسة التي تجسدت في معاهدة كامب ديفيد، وصلنا إلى مرحلة السلام الدافئ، حيث لا يجد رأس الدولة المصرية عيبًا، ولا يستشعر حرجًا، وهو يقول من منبر الأمم المتحدة: أطمئن الشعب الإسرائيلي، نحن معك.

 

مقولة لزجة منبطحة حقًا، فما من شيء اسمه "المواطن الإسرائيلي"، وإنما المستوطن، والثابت أن الوجدان الشعبي المصري ليس مع هذا المحتل العنصري، ولا يكن له إلا العداوة والبغضاء، وإذا كان بعض الأفاقين قد باعوا الثوابت بخسًا، فإنما هم محض طفح صديدي في جسم مصر، وقد نبذهم الشعب، حتى مات منهم من مات غير مأسوف عليه، كأي جرذ نافق، مثل علي سالم ومن معه من نخبة الضلال والعار، فيما بقي الأحياء منهم مثل يوسف زيدان، يتحاشاهم الناس، ويبصقهم الوجدان الشعبي كالبلغم.

 

دع عنك احتفاء الإعلام، وفضائيات المال الحرام، ولا تنظر إلى الضجة الفارغة التي تثار حول هذا وذاك، فالحس الشعبي أصدق أنباء من الكتب، في حده الحد بين الصهاينة والعرب.

ألف باء المسألة، أن إسرائيل كيان منبوذ قمئ يكرهه العرب من المحيط إلى الخليج.. ألف باء القضية أن الوجدان الجمعي يرفض أي تواصل مع هذا المخلوق القبيح المولود من علاقات دنس محرمة.

 

على أن العرب رغم وجدانهم الشعبي، في واقع الأمر، مخطوفون في بلادهم، تستولي على مقدراتهم أنظمة إجرامية، تكبلهم بـ"البلطجية" فتبيع الثوابت، تبيع الأمة في سوق نخاسة صهيوني، والمفارقة أن تلك الأنظمة، حين تقمع شعوبها تتذرع بالمؤامرات الصهيونية، في حين أنها ترتمي تحت أقدام نتنياهو وتلحس أصابع قدميه تقربًا.

 

قرن من الزمان، يبدو قرنًا عبريًا، ولم يكن ممكنًا خلاله أن ينجح الكيان الصهيوني في البقاء لولا الخناجر العربية التي تطعن الشعوب من الظهر، ليس معقولًا أن يصمد بضعة ملايين أمام طوفان بشري من مئات الملايين، ما لم تكن شعوبنا مختطفة، وليس منطقيًا أن نطالب الأسير أن يحرر غيره، فالأولوية أن يحطم القيد الذي يدمي معصميه هو.

 

في تحركات "العلج" الأمريكي دونالد ترامب، والعلج لغةً هو الرومي الأحمر السمين، وهو وصف دقيق له.. في تحركاته نحو نقل عاصمة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، ليس ثمة ما يفاجئ، فالقرار كان اتخذه الكونجرس الأمريكي قبل أكثر من عقدين، ومضى كل رئيس أمريكي يؤجله حتى تسنح الظروف.

 

لا غرابة في إصداره الآن فالظرف مهيأ جدًا، حيث ملوك وشيوخ الخليج يضغطون على أبومازن: إما أن توافق أو أن نأتي بدحلان.. وليس غريبًا أن يختار الرجل كرسيه، ولتذهب الدماء التي أريقت في انتفاضات متتالية، إلى قعر الجحيم.. وفي القاهرة ثمة همهمات عن ما يسمى بصفقة القرن، التي يصفق لها، ويسبح بحمدها المشير المدني المنتخب، وفي حين أنه يمتنع عن الإدلاء بحرف عن فحواها، ما يؤكد أنها قسمة ضيزى، وإلا لما بقيت في الظلام.. في هذا الوقت تتحدث الصحف العالمية، عن "تبادل أراض" بما يسمح بتوطين الفلسطينيين أشقائنا على مساحات من سيناء، بعد إجلائهم من قطاع غزة.

 

"سقطت آخر جدران الحياء".. كما يقول شاعرنا نزار قباني، أو كما يقول مظفر النواب: "أولاد القحبة لا أستثني منكم أحدًا".

 

منذ قرن كان وعد من لا يملك لمن لا يستحق، واليوم ينضم إلى الثنائية عنصر ثالث، هو من يبيع مجانًا، الخونة.

اعلان

اهم الاخبار