الرجل الغاشم «بسلامته»

الرجل الغاشم «بسلامته»

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

30 نوفمبر 2017

 

كلٌ يُؤخذ منه ويُرد عليه، إلا خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، ولا غرو، فهو المعصوم الذي علمه شديد القوى، والذي يقول عن نفسه: أدبني ربي فأحسن تأديبي.

 

والمعلوم أن التأديب لغةً، هو التعليم، ومن ذلك مصطلح المؤدبين، الذين كان السادة يستعملونهم أو "يتعاقدون معهم" لتعليم أبنائهم العلوم الدينية والدنيوية، ولدينا في تراث العربية الكثير من المُلح والطرائف، التي يتناقلها الرواة من سير المؤدبين مع أبناء الخلفاء، وكيف كان الأساتذة يعاقبون تلاميذهم بقسوة بغية تقويم سلوكياتهم إذا اعوجت، بمباركة آبائهم، ذلك يوم كانت أمتنا أمة علم، لا يحكمها من يقول: "يعمل ايه التعليم في وطن ضايع"؟

 

أيما يكون من أمر، فالرسول الكريم، الذي تأدّب عبر وحي السماء، والذي كان يتنزل بالحلول لما يُستغلق على العباد من معضلات الدنيا، لم يستأثر برأي مرة، ولم يرفض أن يستشير في موقف، وكان يقلب الآراء فيختار منها، حتى إنه في يوم بدر، ذاك اليوم المفصلي في تاريخ الدعوة، نزل على رأي الصحابي الحباب بن المنذر، في "قرار استراتيجي".

 

كان المسلمون قد خرجوا لملاقاة الكفار، فانتقى الرسول موضعًا لعسكرة الجيش، فإذا بالحباب يستوضحه: "يا رسول الله، أمنزلٌ أنزلكه الله ليس لنا أن نتعداه، ولا نقصر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، فقال النبي محمد: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فاقترح تغيير الموضع لمنع القرشيين من بلوغ البئر.

 

هكذا كان محمد عليه الصلاة، وهو من هو، وعلى سنته مضى صحابته، وهم عظماء البشرية عقلًا وهمة، فإذا بالصديق ثاني اثنين، يقول يوم مبايعته خليفة يخطب في الناس: "أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".

 

أبوبكر يقول: لست بخيركم.. فمن هو خير الناس إذن ما لم يكن أول الذين شهدوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله؟ ذاك دأب العظماء، حيث يتواضعون للناس، فيرفع التواضع شأنهم بين الناس. ومن بعد أبي بكر، يأتي الفاروق الذي يخطب أيضًا: "أللهم إني كثير الغفلة والنسيان، فألهمني ذكرك".

 

الرجل الذي وصفه الرسول بـ"ملهم الأمة" يعترف بدوره بأنه "بَشري" يسهو وتغلبه الغفلة، لكنه ليس أبدًا بغافل عن نقصانه، وتلك "قمة الكمال" إذا كان الكمال البشري ممكنًا.

 

الرجل الذي يقول فيه شاعرنا حافظ إبراهيم: " رأيتَ في الدينِ آراءً موفقةً/ فأنزل اللهُ قرآنا يُزكّيها"، لا يستنكف عن التراجع عما ارتأى، حين يُحاججه العامة في أمر، حتى يروى أن امرأة عارضته حين حض الناس على عدم المغالاة في المهور، قائلة: "يا عمر، أيعطينا الله وتحرمنا"، فإذا به يرى حجتها تدحض رأيه، فلا "يُنشّف دماغه"، ومن ثم يقول كلمة، مشكوك في صحتها، إلى حد كبير، وقد تكون من مزايدات وزيادات الرواة، لكنها ذات أهمية في السياق: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".

 

هكذا هو الرسول وصحابته، العبقري الذي يقود عباقرة، يقبلون الرأي الآخر، ليس فيهم من يتطاووس زاعمًا أنه "طبيب فلاسفة"، يرى "منامات"، ويستسقي الخبراء والسياسيون ورجال الاستخبارات منه "العلم اللدني"!

 

إن هكذا دروس، من "المعلمين الأجلاء": محمد والذين معه، إنما ترسخ لمبدأ نقصان الإنسان، وتؤكد أنه خطَّاء بفطرته، وكلما أدرك حقيقته، وتصالح مع تلك الحقيقة، كلما سعى إلى معالجة مثالبه، وسد الفراغات في بنيان نفسه.

 

كان أبونا آدم أكل تفاحة من الشجرة المحرمة، ومن بعد القضمة الآثمة، مكث بنوه متخبطين متعثرين في الخطايا، تزوغ أبصارهم، وتزل أقدامهم، وأيضًا ألسنتهم، فيراجعون أنفسهم، وفق عملية إنسانية بحتة، لم يؤتَ مخلوق آخر القدرة عليها، عملية يصبح ابن آدم بمقتضاها ناظرًا ومنظورًا، يتمعن نفسه ويضعها تحت مجهر التقييم، فإذا وجد في تلك النفس نقيصة، أو رأى فيها انحرافًا أسرع إلى إعادتها إلى المسار الصحيح، وهكذا يرتقي درجة من درجات سلم التحضر.

 

أما الجهلاء المنفشون بالباطل، فلا يقبلون لقولهم نقدًا أو ردًا، فإذا تجرأ أحدهم على أن يراجعهم أو حتى يستقصي منهم في شيء ما، صرخوا وجعروا: "أنت دارس الكلام ده كويس"، وإذا استخدموا مفردة في غير موضعها على شاكلة ما قاله المشير المدني المنتخب، بعد مجزرة الروضة: "سنحارب الإرهاب بالقوة الغاشمة"، رفض الاعتراف بأن لسانه زلّ، أو بأنه لم يكن يعرف فأخطأ، ومن ثم أخذت أجهزته وأذرعه الإعلامية، تزعم أن غاشمة تعني "شرسة أو حاسمة في وجه المعتدين"، خلافًا لما استقر في بطون معاجم العربية، والأسوأ من ذلك أنه تعمد تكرارها مرتين بعدئذ، في خطبته بمناسبة المولد النبي: إنني ألزم الفريق محمد فريد حجازي قُدّام شعب مصر كله: أنت مسؤول خلال ثلاثة شهور، عن استئصال الإرهاب، وتستخدم من أجل ذلك كل القوة الغاشمة.. كل القوة الغاشمة".

 

هل يجوز إذن أن نقول: إن هذا كلام غشيم؟.. هل نأمن على أرواحنا وحريتنا إن ذهبنا إلى هذا الرأي؟

 

واقعيًا، لا ضمانات، ولا أمان لأي مصري، ولعلنا إيثارًا للسلامة، نتبنى تعريف المتحدث باسم الرئاسة لمصطلح غاشمة، وعليه هل يجوز أن نقول مثلا: إن القائل رجل غاشم أي حاسم؟.. غاشم بسلامته!

اعلان

اهم الاخبار