الثورة السعودية

الثورة السعودية

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

19 نوفمبر 2017

 

في يونيو قبل عامين، نشر موقع التسريبات العالمي "ويكليكس" حزمة وثائق، قال إنها ترفع النقاب عن شيوع الفساد في السعودية ماليًا وسياسيًا، وشملت فيما شملت، فضائح منها تمويل المملكة وسائل إعلام، بملايين الريالات، بغية توجيه بوصلة الشؤون الإقليمية لجيرانها، ورسم مسارات السياسة بالمنطقة العربية، وفق ما يحب آل سعود ويرضون.

 

صحيح أن الرياض "الرسمية" هرعت إلى تكذيب تلك الوثائق، وحذرت مواطنيها من مغبة تداولها عبر مواقع التواصل، حفاظًا على أمن المملكة القومي، وهي عبارة فضفاضة في عالمنا العربي، وصحيح أن أحدًا لا يستطيع أن يجزم بصحة تلك التسريبات، جزمًا باتًا، لكن المنطقي أن يؤخذ ما جاء بها بجدية، انطلاقًا من الدرس الذي ألقاه علينا إعرابي بسيط قبل أربعة عشرة قرنًا: البعرة تدل على البعير.

 

الواضح وضوح الشمس في صحراء الربع الخالي، أن السعودية تسعى إلى أن تتحكم أو بالأحرى تحكم المنطقة، فلا صوت يعلو فوق صوت "الرز"، الذي صار مستخدمًا بقوة في بسط النفوذ وفق سياسة "دفتر الشيكات"، ولعل جولة انتزاع جزيرتي "تيران وصنافير" من حضن مصر، تكشف عن أن هذه السياسة تنجح نجاحًا منقطع النظير، إذا مورست مع نظام سياسي مستعد للاستجابة.

 

أيما يكون من أمر، فقد رافق نشر تلك الوثائق التي زادت عن ستين ألفًا، جلبة عالية، في الغرب، بينما صمت الإعلام العربي إلا قليلًا، والسر كما هو معلوم بالبداهة، يرجع إلى العطايا السعودية السخية، التي تتدفق هنا وهناك، وقد كان مثيرًا للغاية أن أحدًا لم يهتم كثيرًا بتصريح مؤسس موقع "ويكليكس" جوليان أسانج: "الوثائق تميط اللثام عن نظام ديكتاتوري، أصبح يشكل خطرًا على نفسه، وأيضًا على جيرانه".

 

مقولة بالغة الخطورة، تستدعي فحصًا دقيقًا، في ضوء المعلن والمسكوت عنه بالمنطقة، ومن ذاك المعلن ما يتعلق باستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، من الرياض، ومن المسكوت ما يتواتر في تلميح أقرب إلى التصريح، من بيروت بأن الرجل مختطف، بغية فرض الكلمة على الوضع اللبناني الداخلي، بما يؤدي إلى نزع سلاح حزب الله، تحت ذريعة أنه مخلب قط إيراني، بوجه "الاستقرار"، من دون توضيح مبين، عما إذا كان المقصود هو استقرار ذاك البلد الذي اختبر تجربة حرب أهلية مريرة، أم استقرار العدو الصهيوني، الذي أصبح المعلن بشأن "هرولة الرياض" إليه أكثر من المسكوت عنه.

 

وبمنأى عن الشأن اللبناني، الذي يحتمل الكثير من القيل والقال، فإن الكاتب الأمريكي الأشهر "توماس فريدمان"، نسج على منوال "أسانج" في مقال بعنوان: التحولات العاصفة في السعودية، وفيه شكك في حملات الاعتقال التي طالت عديدًا من "الحيتان الكبار" من قبيلة "آل سعود"، وذهب إلى أن الدفع بأنها بهدف محاربة الفساد، ليس مستساغًا، حيث قال: "أن تسمع خبر القبض على أمراء سعوديين بتهمة الفساد، يشبه أن تقرأ خبرًا بإقالة ترامب سبعة من أعضاء حكومته بتهمة الكذب".

 

وفي نبرة ساخرة، مضى فريدمان يقول: إن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي رمز له بحروف اسمه الثلاثة الأولى، ابتاع يختًا من ثري روسي بقيمة خمسمائة وخمسين مليون دولار، بعدما رآه فأثار إعجابه حين كان يصطاف في جنوب فرنسا، العام الماضي، فمن أين جاء بهذا المبلغ؟ أمن حصالة نقوده؟

 

معلوم بالضرورة هنا، أن الكاتب لم يقصد بذكر تلك الحادثة، التي ازدحمت وثائق "ويكليكس" بنظائر فجة لها، إلا أن يقرر أن الفساد في السعودية أمر طبيعي، ومتواطئ على قبوله، والأكثر خطورة، أنه يبدأ من "فوق"، بل إن الدفع بأنه "مقنن" أيضًا، قد لا يجافي الحقيقة، فسياسة "دفتر الشيكات" تشتري الولاءات، وأيضًا النفوذ، وإذا كانت وثائق "ويكليكس" قالت إن المملكة تريق الملايين لشراء الصحافة، في كندا وأستراليا وباكستان، ودول أخرى، منها دول بقلب القارة السمراء، وإذا كانت المملكة تنفي  بدأب ضلوعها في أي فساد، وترفع شعار: "البيت ده طاهر"، فالواضح أن هذا النفي هش متهافت، أمام حقائق على نحو تراجع تصنيف المملكة أربع عشرة درجة على مؤشر الفساد العالمي، خلال العام الماضي مقارنة بالأسبق، لتقبع بالمرتبة الثانية والستين.

 

كما يذكرنا التاريخ القريب، بأن المملكة كثيرًا ما أغمضت عينيها وصكت أذنيها وأغلقت أنفها عن روائح "فساد أعضاء بالقبيلة الحاكمة"، ومن ذلك ما شاب صفقة اليمامة من فضيحة العمولات التي تورط فيها الأمير بندر بن سلطان "آل سعود"، وأرجو أن تلاحظ القوسين جيدًا.

 

فعلى الرغم من أن التحقيقات البريطانية أظهرت أن "ابن القبيلة" الذي عمل وسيطًا بصفقة السلاح التاريخية، والتي أبرمتها الرياض مع لندن بقيمة أربعين مليار جنيه إسترليني، قد "استرزق" من تحت الطاولة، وعلى الرغم من أن القضية اتخذت طريقها إلى المحاكم الإنجليزية، إلا أن "القبيلة الحاكمة" سارعت إلى نصرة عضوها المهم، فمورست ضغوط على المملكة المتحدة، بلغت حد التلويح بوقف إمدادات نفطية، ونشطت سياسة دفتر الشيكات كالعادة، لشراء إعلانات بوسائل الإعلام البريطانية، وهكذا وريت القضية الثرى، وأفلت "الأمير" بما كسب.

 

القاعدة التي بقيت ثابتة عقودًا: المساس بالأسرة الحاكمة خط أحمر، فحتى لو جاوز فاسد منهم المدى، فالحل يُتخذ في إطار قبلي، والأعراف الاجتماعية في مجتمع لم يتخلص من ميراث البداوة، تقضي بأن الفرد ليس مهمًا بذاته، وليس له كيان مستقل متمايز، فمكانته تكتسب من انتمائه إلى قبيلة تمنعه وتعزه وتنصره ظالمًا أو مظلومًا.

 

أن يسترزق عضو من القبيلة من المال العام، فهذا ليس أمرًا ذا شأن في بلد، تتضخم الأرصدة المصرفية لأفراد العائلة الحاكمة فيه، وهم يغطون في نومهم، وينتزعون مليارات الدولارات سنويًا من مخصصات النفط، في حين يعاني مواطنون في المنطقة الشرقية أحوالًا معيشية متدنية، لمجرد أنهم شيعة، ففي مملكة تأسست على دعائم الوهابية، لا حقوق لمن ليس على "شريعة الحاكم".

 

ليست مكافحة الفساد إذن، والبيان الرسمي الذي وصف "الأمراء المعتقلين" بأنهم خانوا الأمانة، لا يساوي بصلة واقعيًا، فالأمر صراع على نفوذ، يبدو مثل صراع أفيال، داس فيه الأب الملك والابن ولي عهده على قواعد البيعة وتوريث الحكم، أولًا، ثم على "الأعراف القبلية" ثانيًا، سعيًا إلى تمكين "الولد" من الحكم منفردًا، فلا يقف هؤلاء ولا أولئك كاللقمة في زوره.

 

في الإطار ذاته، تؤخذ قرارات الانفتاح "الثورية" التي يتخذها ولي العهد، كالسماح للمرأة بقيادة السيارات، ذلك أن المزاعم بأن "الوريث الشاب" الذي تصفه دوائر غربية بالأرعن، يريد أن يؤسس لما يسمى بالمملكة الرابعة، ذات الوجه الوسطي "المزعوم" على أنقاض الوهابية المتجهمة، لا يمكن إدراجه إلا في إطار أنه مناورة لـ"الاستقواء" بالناس على المعارضة داخل القبيلة، وهنا يكمن "مرض عربي مستوطن" فالشعوب بلا وزن، إلا حين يُراد استخدامهم كمشجعين حول الحلبة، يهتفون للمنتصر على طريقة حرافيش نجيب محفوظ: اسم الله عليه.

 

الواضح أن مباراة المصارعة الحرة في المملكة على أشدها، والوريث يندفع جامحًا لتنفيذ أحلامه، رغم التعقيدات الإقليمية والقبلية، لكن تلك التعقيدات لا تقف وحدها في وجهه، فالمشجعون أيضًا ليسوا على قلب رجل واحد، ذلك أن إقناع مجتمع رضع التشدد من المناهج الدراسية، والخطاب الديني، ثم الخطاب الإعلامي والثقافي بالحداثة فجأة، من دون تمهيد معرفي دؤوب وهادئ، يلاقي في العادة مقاومة مجتمعية شرسة، انطلاقًا من قاعدة: "هذا ما وجدنا آباءنا عليه"، والمرجح أن تلك المقاومة ستصب في مصلحة جناح الرفض داخل القبيلة، وهو جناح موتور غاضب، وليس مستبعدًا أن يستقوي بـ"الوهابية المتذمرة"، فينقض على الخصم بلكمة قاضية تسقطه سقوطًا لا قومة بعده، وتسفر أيضًا عن ترنح أنظمة تراهن عليه بجميع أوراقها.

 

يبدو أن علينا إعادة قراءة تصريح مؤسس "ويكليكس" جوليان أسانج: "الوثائق تميط اللثام عن نظام ديكتاتوري، أصبح يشكل خطرًا على نفسه، وأيضًا على جيرانه".

اعلان

اهم الاخبار