هبة مصر للعدو الصهيوني

هبة مصر للعدو الصهيوني

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

16 نوفمبر 2017

 

بعد مفاوضات خرجت من رحم مفاوضات، ولجان انسلخت من لجان، وأطنان من تصريحات التطمين الرسمية، ونهيق الإعلام المرئي، وعناوين التدليس الصحفية، وجولات تطويح "ميكرفون الجزيرة"، أسفرت الكارثة عن وجهها المرعب: فشل مفاوضات سد النهضة.

 

ماذا عن اتفاق المبادئ الذي قالوا إن حكيم عصره وأوانه، احتوى به الأزمة بعد مرسي الذي كاد أن يضيعنا؟

 

ماذا فعل المشير الرهيب القوي "الذكر" إزاء أزمة وجودية هي الأخطر على مدى تاريخ مصر منذ كانت الخليقة، وترعرعت الحضارة بجوار سنابل القمح، على ضفاف نهرها الذي نسأل الله أن يبقى خالدًا؟

واقعيًا.. لم يفعل شيئًا، استقل طائرته منفردًا، إلى السودان، ووقع اتفاق مبادئ منفردًا، ثم طيّرت لنا وكالات الأنباء الخبر "الكارثة"، نحن أصحاب الأرض والنهر.

الاتفاق أصبح لا يساوي حتى الحبر المكتوب به، ولم يعد لدينا بعده إلا صورة سمجة لرئيسي السودان وإثيوبيا وثالثهم السيسي، وهم يرفعون أياديهم ابتهاجًا بالتوقيع، ومعها مانشيت كاذب لـ"اليوم السابع" عنوانه: "السيسي حلها".

 وقتها قلنا "نحن الخونة والعملاء" إن التوقيع على اتفاق لا يضمن بحسم عدم المساس بحصة مصر المائية، كارثة محققة ماحقة، ستُفقد المفاوض المصري أوراقه جميعها، وستعطي أديس أبابا فرصة لكسب الوقت حتى يصبح السد الذي سيحرم مصر من شريان حضارتها التاريخي، أمرًا واقعًا يصعب الاقتراب منه لأسباب يتمثل بعضها في تشابك مصالح دول كبرى، و"أشقاء عرب" طعنونا في ظهورنا، فمولوا مشروع "تعطيشنا"، فيما يكمن بعضها الآخر في أن أي عمل عسكري ضد السد بعد امتلائه كليًا أو جزئيًا، سيشكل، وفق آراء الخبراء، خطرًا على مصر والسودان معًا، ذلك أن انهياره سيؤدي إلى "تسونامي" يمحو الحياة في وادي النيل، بعد جرفه السد العالي، وتحويله إلى أثر بعد عين.

خبراء من كل حدب وصوب، بُحَّت أصواتهم، وتمزقت حناجرهم، وقرعوا أجراس الخطر، لكنهم كانوا يؤذنون في مالطة، وكلما خرج واحد منهم يحذر من الآتي المرعب، من أيام العطش، من سنين عجاف، من جفاف الزرع والضرع، من أن مصر التاريخية، لن يبقى من تاريخها شيء، انقض عليهم فاحشو الإعلام ومعهم الخبراء الرسميون "المأجورون" سبًا وقذفًا ونهشًا في السمعة والعرض، فطالما أن السيسي وقع، فلا قول بعد ما قال، له الكلمة الأولى والأخيرة، حتى حين يقترف خطأ لن يدمر الحاضر بل سيدمر المستقبل أيضًا، وتحت عناوين ظاهرها الوطنية، وباطنها النفاق والرياء، ومسح حذاء السلطة، خسرت مصر، وصارت على شفا حفرة من الضياع.

ماذا بعد الاستهتار والاستهانة والانفراد بالقرار الذي أودى بهبة النيل إلى أن تقف الآن على حافة العطش والبوار؟

ما كان متاحًا، صار مستحيلًا، والحديث عن أن الحل يكمن في تحلية مياه البحر، هو حديث إفك وزور تمامًا مثل حديث تحويل الإيدز إلى "صباع كفتة".

ما كان متاحًا، هو تهديد النظام الإثيوبي الذي يستقوي بعلاقاته مع الصهاينة بضربة عسكرية تجعل السد حطامًا، وهذا ليس كشفًا غير مسبوق، فقد فعلها السادات فارتدعت أديس أبابا، وفعلها مبارك فتراجعت، فلماذا لم يفعلها السيسي الذي ينتمي إلى المؤسسة العسكرية، ما يعطيه حرية حركة وقدرة على اتخاذ هذا القرار؟.. لماذا لم يفعلها رجل المخابرات الذي يزعم أن كتاب "شخصية مصر" لجمال حمدان من كتبه المفضلة؟ ألم يطلع على أهمية النيل السياسية والاستراتيجية والتنموية والحضارية للبلد الذي صنع حضارته على ضفافه نهره الوادع؟

كان مجرد التلويح بأن خيارات حماية مصالح مصر المائية مفتوحة، من دون تأكيد أو نفي لاحتمالية ضرب إنشاءات السد، سيدفع الجهات المستثمرة، إلى التفكير ألف مرة، والتراجع ألف خطوة، فرأس المال الجبان دائمًا، لن ينثر الأموال في حقل ألغام، ولن يطمح إلى فرص في أجواء مفخخة.

هذا لم يحدث، واكتفينا بصورة التوقيع والابتسامات الشمعية بين الموقعين الثلاثة.

الفرص ضاعت، يوم شد المشير المدني المنتخب الرحال منفردًا إلى الخرطوم، ليوّقع اتفاقية مبادئ قيل وقتها إنها رأبت الصدع، بعد أن أقنع الرجل ذو الكاريزما الطاغية، أديس أبابا بعدم الجور على حصة مصر، عبر خطاباته العاطفية، والتي قال فيها نصًا: "ممكن نتعاون ونعمل حاجات عظيمة جدًا جدًا، وممكن نختلف، وممكن نؤذي في بعضنا جدًا جدًا، احنا اختارنا التعاون والبناء والتنمية".. من دون "جدًا جدًا"، في المرة الثالثة.

الموقف المصري الآن في أسفل سافلين، فالقاهرة لا تملك أوراق ضغط، وحتى الانتقام من ميكروفون "الجزيرة"، لم يعد ممكنًا، ولعل الحركة التالية على رقعة شطرنج المفاوضات، لن تكون إثيوبية فحسب، وإنما إثيوبية إسرائيلية سافرة، وستتمثل في المقايضة على توصيل المياه إلى الاحتلال في فلسطين المحتلة، وإلا "التعطيش".

احتمال ليس مستبعدًا بالطبع، بل إن دوائر صنع القرار في تل أبيب شرعت تتحدث عنه جهرًا.

ساعتها سيخرج علينا المبررون ليقنعونا بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، واتخاذ هذا القرار إنما هو لحماية مصر من العطش، لكن هذا الكلام ككل كلام سدنة نظام الثلاثين من يونيو، محض أكاذيب، فالمخطط له منذ البداية أن تتسع "عملية السلام الدافئ"، ومن ثم تحقيق الحلم الصهيوني القديم، بحصة ثابتة في مياه النيل.

ألم يخاطب السيسي من سماهم الشعب الإسرائيلي، أي المستوطنين من منبر الأمم المتحدة: "عايز أقول للشعب الإسرائيلي اطمنوا احنا معاكم"، في سابقة لم يجرؤ عليها أي مسؤول مصري، لكن السؤال المهم هنا: ترى هل هو معنا؟

قبل فترة نشرت صحيفة إسرائيلية، عنوانًا مؤلمًا: "السيسي هبة مصر لإسرائيل".. يبدو أننا في ظلمات اللحظة الراهنة، في حاجة ماسة، وأيضًا "حتمية"، أن نتمعن هذا العنوان.

اعلان

اهم الاخبار