هات الإزازة يا يوسف زيدان!

هات الإزازة يا يوسف زيدان!

محمد مصطفى موسى

محمد مصطفى موسى

02 نوفمبر 2017

 

أخيرًا.. توصل المؤرخ الفلتة، يوسف زيدان، إلى الكشف غير المسبوق، والنصر الأكاديمي المظفر، بأن كلمات طقطوقة "تعالَ يا شاطر نروح القناطر"، تحمل دعوة إلى اقتراف عمل إرهابي، فبهذا الرأي العبقري، قد يستفيد خبراء الأمن في رصد الخلايا النائمة، وأيضًا الواقفة والقاعدة، وعليهم إذا ضبطوا مُجرمًا آثمًا يسمع تلك الطقطوقة، التي غنتها في بدايات القرن الماضي، نعيمة المصرية، أن يأخذوه فيغلوه ثم إلى محاكمة عسكرية يقدموه لإعدامه فورًا، فمصر ليس فيها حقوق إنسان، كما قال حكيم عصره وأوانه، بعظمة لسانه، في لهجة الواثق المعتد بنفسه، فسبحانه وتعالى، له في خلقه شؤون.

 

يا له من كشف تاريخي سيقلب المفاهيم رأسًا على عقب، والظاهر أن الفلتة، حقق الأمر تحقيقًا، ودققه تدقيقًا، ونقحه تنقيحًا، ولعله أنفق سنوات طويلة يراجع تراث "الست نعيمة" الغنائي، فسمع فيما سمع: "هات الإزازة واقعد لاعبني"، فراقت له الكلمات، فإذا به يجهر و"يجعر" بأن النبيذ حلال زلال، وهكذا تكون البحوث وإلا فلا، ونحمد الله أنه لم يقع على طقطوقتها: "خُد البزة واسكت"، حتى لا يدعو إلى كشف النساء نهودهن، كونها ليست عورة، بما يدحرجنا لا إلى عصور الجاهلية فحسب، وإنما إلى العصر الحجري، قبل اختراع "اللباس".

 

وأيما يكون من رصانة ومتانة أو تهافت وهشاشة منهج زيدان البحثي، فاللافت أنه منكب على الترهات تحقيقًا، ذلك أن أحدًا لا يعرف جدوى التنقيب عن مفردة "شاطر" في المعاجم، ومن ثم اجتزاء معنى أحادي، لم يقصده مؤلف الأغنية بالطبع، ومفاده أنها تطلق على الخبيث الخائن، وتجاهل مرادفات معاكسة، على شاكلة ما يقول به المتصوفة من أن الشاطر هو السبَّاق إلى معرفة الله، مثلًا، هذا بالإضافة إلى أن تطبيق معايير الفصيحة على اللهجات المحكية، لا يلبي مقتضيات البحث العلمي دائمًا، فالمعروف أن روافد العامية متعددة، ومنها اللغات الأعجمية، وفي الحالة المصرية، ثمة كلمات ذات أصول فارسية وتركية وفرنسية وإنجليزية وأيضا هيروغليفية، وبالتالي فإن الاستدلال بمعجم العربية وحده، خارج سياقه، بل خارج أي سياق علمي.

 

إذن.. دعك من سيلان الآراء المزمن، الذي يعانيه زيدان، والسيلان المقصود ليس مرضًا تناسليًا، يصيب العابثين الماجنين، والعياذ بالله، فمصدر الكلمة، كما يفيد النبش في المعاجم، على طريقة المؤرخ الفلتة، هو الفعل سال بمعنى جرى وتدّفق، ولا عليك أيضًا من الغبار الذي يثيره كلام الرجل في معاركه العبثية، ذلك أنك كلما نقبت في أفكاره ستجد غرائب وعجائب، وكلما بددت معه وقتًا ستقع على مساخر، وإذا كان الإعلام ينشغل بتلك السفاسف، فاعلم أنها طبيعة المرحلة، حيث لا مكانة لما له جدوى، والساحة لا تنفتح إلا للتفاهات والخزعبلات، وكل ما هو "كفتة" سواءً كانت لعلاج الإيدز، أو لصرف أنظار الناس عما يهمهم، وفق "استراتيجيات الإلهاء" كما يحددها المفكر الكبير "نعوم تشومسكي".

 

ولمَّا كان التوصل إلى أن الطقطوقة إياها "إرهابية"، وما قد يترتب عليه من شكوك في أن نعيمة المصرية، كانت في الأصل، قيادية إخوانية، لن يضيف جديدًا جديًا إلى المعرفة الإنسانية، التي يتشدق زيدان ويتمنطق بانتمائه إليها، فإن الانشغال بتفنيد آرائه هو عبث في معرض العلم، و"معرض هنا بالضاد"، فالكلام في "الفارغة" هو شأن الجهلاء والسوقة، ومن ذلك بالطبع وصف زيدان، صلاح الدين الأيوبي بأنه "أحقر رجل في التاريخ"، ذلك أن دراسة التاريخ قلما تميل إلى صيغة "أفعل التفضيل"، هذا من جهة، ومن أخرى، فالعبارة في حد ذاتها متهتكة، ولا تليق برجل يتباهى بأن درجته العلمية أكبر من الدكتوراه، بقدر ما تليق بامرأة مجروحة، "يا كبد أمها" تتحدث عن عشيق هجرها، ليرتبط بأخرى أكثر جمالًا وشبابًا!

 

وعليه.. فإن ما يدلقه زيدان من أفكار، ليس ممكنًا تصنيفها بحوثًا علمية، ولا يحزنون، وإنما هي محض غبار بلا قيمة، وجعجعة من دون طحين، وإثارة رخيصة فظة، الأرجح أن غرضها لفت الانتباه، ورفع أسهمه لكن في بورصة التفاهة، ومن ثم رفع ما يتقاضاه، من "بنكنوت" مقابل ظهوره إعلاميًا كل أسبوع في حلقة عمرو أديب.

 

يُروى أن رجلًا دلف مجلس الخليفة هارون الرشيد، فقال: إني أعمل عملًا يُعجز الناس، فقال الرشيد: هات ما عندك، فأخرج علبة فيها إبر، ثم أخذ يرميها واحدة تلو الأخرى، فتشبك الإبرة التالية في الثقب الذي أحدثته السابقة، ولما فرغ وقف مزهوًا، فإذا بالخليفة يأمر له بمائة دينار مكافأةً، على حذقه عمله، ومائة جلدة عقابًا، على صرفه جهده فيما لا ينفع.

 

هذا شأن زيدان حقًا، لكن علمه لا ينقسم إلى ما لا ينفع فحسب، وإنما إلى ما يضر أيضًا.

 

ما لا ينفع، يتمثل في التفاهات على شاكلة تفسيره الأغنية أو معنى كلمة "اجتماعي"، وما نحو ذلك من "فرقعات"، تشد العوام كما تشدهم النكات البذيئة، ويقبل عليها السوقة إقبال المدمن على المخدرات.

 

أما ما يضر فمنه زعمه أن المسجد الأقصى في القدس المحتلة، ليس هو المذكور في القرآن الكريم، وإنما هو مسجد آخر يقع على طريق مكة والطائف، وتبرئته مجرم الحرب شارون من مذبحة صبرا وشاتيلا - رغم أن المحاكم الإسرائيلية ذاتها أدانته - إلى درجة أنه لم يحس "على دمه" حين قال مرةً: "لم يكن في المذبحة يهودي واحد يحمل مطواة، والمتورط في الدم هو حزب الكتائب اللبناني"، ليسجل اسمه في التاريخ: أول عربي يتبنى المقولة الصهيونية: عربٌ يقتلون عربًا، ولا شأن لنا".

 

 يقول شاعرنا عنترة: "في الليلة الظلماء يُفتقد البدر"، وفي ظلمات زيدان الفكرية، ومقولاته ذات النبرة العبرية، كم نفتقد صوت الراحل الكبير جمال حمدان، صوت المؤرخ الذي لم تُغرِه شاشات الإعلام "المتأسرلة"، ولم يسر في زفة الذين "صهينوا وتصهينوا"، فاعتزل الحياة العامة، عاكفًا على توريثنا علمًا ينفع، عاضًّا بنواجذه على قولة الحق، متساميًا عن بيع ماء محياه في مواخير تل أبيب، حتى عُثر عليه مقتولًا، بعد اختفاء أو بالأحرى سرقة النسخة الوحيدة من كتابه الذي لم ير النور: "اليهودية والصهيونية"، في جريمة خسيسة، ليس ممكنًا استبعاد تورط الصهاينة فيها.

 

ذاك هو العالم الحق، أما عالم السوء، الضال المضل، المائل المميل، فهو الذي يصفه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "إنّ أخوفَ ما أخافُ على أمتي، كلُ منافقٍ عليمُ اللسان".

اعلان

اهم الاخبار