فن الكذب

فن الكذب

محمد إبراهيم

محمد إبراهيم

06 أبريل 2018

 

قُرن لفظ الكذب بالفن عندما تلوكه ألسنة المتابعين للأمور السياسية، وقُرن ذلك الفن بالساسة، وهو كتوصيف الشيء من جنسه، فعندما أراد الساسة تبرير كذبهم وصفوه كذبا بالفن.

 

الفن في المعجم هو جملة الوسائل التي يستخدمها الإنسان لإثارة المشاعر والعواطف، بينما السياسة أتت من الفعل المضارع "يسوس" ويُقصد بها رعاية شؤون البلاد والعباد داخليا وخارجيا.

 

لكن عندما أراد بعض الساسة تبرير كذبهم اختاروا لفظة فن ليلحقوها به، كدليل على مهارتهم في الكذب وترابطه كلوحة فنية من الكلمات المُنمقة والمرسومة بمهارة شديدة.

 

وفي سبيل ذلك يستخدم البعض جمل يُعرَّض بها عن الأمور، فلا يقول كذبا أو صدقا، بل يمر بينهما بكلماتٍ تقبل التأويل.

 

على سبيل المثال عندما أعلن النظام في 2013 أنه على أعتاب محاربة إرهاب مُحتمل لم يذكر أنه قد يصنعه، سواء كان صنعه ذاك عن عمدٍ أو بجهالة، لم يذكر أن باب الوصول إلى الحُكم بالطرق السلميَّة قد يُغلق، بما قد يدفع البعض لاستخدام طرائق تقفز على آليات الديمقراطية المعروفة، أو أن جراء فض اعتصام قد ينتهي الحال بسقوط مئات الجثث، أي نعم هذا الاعتصام تم نعته بالإرهاب يقينا، خاصة بعد ذكر وجود المدافع المضادة للطائرات في خيمه، لكن لم يذكر النظام إلا أن وقوع تلك الجثث كان ضروريا لاجتثاث الإرهاب، بينما لم يشرح كيف يكون ذلك، وما مصير آلاف القلوب المكلومة من أهل القتلى وأصدقائهم وكيف سيكون رد فعلهم.

 

هنا لفظة الإرهاب تحمل كلا المضمونين، فهي صادقة لأن فعل الإرهاب حدث بالفعل، وهي كاذبة لأنها لم تُشر إلى حقيقة وملابسات صنعه.

 

***

إذا ذهبت إلى أكثر شخص مؤيد للنظام على سبيل المثال وانتقدت مناخ الحقوق والحريات في مصر لن يدَّعي أن ذلك المناخ بخير، لكنه سيسوق لك تبريرات لها علاقة بالأمن العام والاستقرار والتي يقتبس أغلبها من صفحات الفيس بوك المنسوبة للخبراء الاستراتيجين السريين! أو سيضرب ذراعه في الهواء ذاكرا لك أن الجميع يفعل ذلك، ثم يأتي على ذكر القول المنسوب زورا لكاميرون – رئيس وزراء بريطانيا السابق – (عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فلا تحدثني عن حقوق الإنسان).

 

لكن عندما انتقد ماكين – السيناتور الأمريكي ورئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ – في بيان بمناسبة ذكرى ثورة 25 يناير. انتقد ما أسماه بـ "القمع" الذي يمارسه النظام المصري ضد معارضيه، وذكر أنه قبل 7 سنوات ألهمت الثورة العالم لكن حدث تراجع خطير، وحث النظام على الإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان.

 

فما كان من النظام إلا تجاهُل حقيقة أن أكثر من 425 موقع إنترنت محجوب في مصر، وأن ثمة عضو في مجلس الشعب وصحفي أذاع مكالمات تليفونية خاصة ولم يخفِ حقيقة حصوله على تلك المكالمات من مصادر سيادية، وهو ما يعني صراحة. تعرض المواطنين للمراقبة على مكالماتهم التليفونية الخاصة دون سند قانوني ودون احترام للدستور ودون حماية من وصول تلك الأحاديث الخاصة للنشر في وسائل الإعلام، وتجاهل النظام أيضا وجود آلاف السجناء في قضايا ذات طابع سياسي، منهم على سبيل المثال المُصور "شوكان" والمحبوس احتياطيا قرابة الأربع سنوات ونصف، وتجاهل حالات " تصفية" معارضين ادَّعى النظام أنهم كانوا مسلحين دون دلائل كافية، والتي اعترف بوقوعها النظام بذات نفسه، أو تصفيَّة من اتهموهم بقتل الباحث الإيطالي ريجيني قبل أن تكشف الأمور عدم صلتهم بالأمر، وتجاهل كل حالات الإخفاء قسرا التي تم رصدها.

 

تجاهل المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية كل ذلك، وقال ردا على ماكين أن كل ما ذكره ادعاءات واهية سبق دحضها بالحجة والبراهين، وأنه من المؤسف تجاهل ما حققته مصر من خطوات هامة من أجل إعلاء قيم ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في إطار دولة القانون.

 

ثم انتقل بمهارة من ذلك الكلام العجيب إلى ذكر المواجهة التي يخوضها ضد الإرهاب الخسيس وكيف تجاهل ماكين ذلك؟

 

هنا لم يتَّبع المتحدث باسم الخارجية نهج المواطن المُبرِّر غير المُنكر، لكنه استخدم عبارة " غير صحيح " على الرغم من أن أي متابع يعرف أنه صحيح.

 

هذا هو ما يسموه لاحقا عندما تمر تلك الفترة ويتحدث المدونون لها بحرية بأن ذلك الموقف كان مُعبرا عن " فن الكذب " وهو أداة هامة يستخدمها السياسي.

 

فالسياسي بدلا من تحقيق إنجاز حقيقي على الأرض يستخدم فن الكذب ليُحقق إنجازا بالكلمات، أو ليضع ملايين الأصوات في صناديق الانتخابات، أو يتحدث عن مئات المليارات من الجنيهات التي في طريقها لجيب المواطن الذي يأخذ الفُتات.

 

وبينما يزداد المواطن فقرا يقول له لقد حققنا طفرة اقتصادية عملاقة، وبينما يزداد خوف المواطن يقول له أننا تقدمنا بخطوات هائلة في مجال الحقوق والحريات، وبينما تتعرض قضايا متعلقة بالأرض والثروات البيئية لنكسات تزداد نعرته القومية، وبينما الخوف يأكله يقول له "ما بخافش ".

اعلان

اهم الاخبار