قبل أن تنضم لولاية سيناء.. دعنا نتحاور!

قبل أن تنضم لولاية سيناء.. دعنا نتحاور!

محمد إبراهيم

محمد إبراهيم

15 فبراير 2018

 

اعتادت الجماعات الإسلامية المُسلحة التعبير عن بعض أفكارها إعلاميا لجذب عدد من المناصرين الجدد, سواء كأفراد فاعلين أو جمهور داعم, وتلك الأفكار غالبا ما يستهدفون بها شباب التيارات الإسلامية المختلفة, وحملتها رسائل إصدارهم الأخير بشكل واضح ومُحدد.

 

أولا: الثبات على الفكرة وربطها بالشريعة

الفكرة الأساسية التي تبني عليها تلك الجماعات موقفهم السياسي هي فكرة "الحاكمية" وهي التي تعني إفراد الحكم والتشريع وخلافه فقط لله بناءً على الآية الكريمة { إنْ الحُكْمُ إلا لله } وآياتٍ أخرى تؤكد ذلك المعنى, وفكرة الحاكمية ليست وليدة اليوم ولكنها بالطبع فكرة قديمة حمل لواءها الجماعة السلفية في مصر – بتنوعاتهم – رفضا للديمقراطية ورفضا لصناديق الإنتخاب أو لحكم الناس للناس, وهو الأمر الذي كان مثار اختلاف كبير بينهم وبين جماعة الإخوان المسلمين قبل سنة 2011, لكن ذلك الأمر تغيَّر بشكل درامي بُعيَّد الثورة, وعبَّر إصدار ولاية سيناء الأخير عن ذلك التغيَّر بعرض التصريحات المتناقضة لكبار الجماعة السلفية التي وصل بهم لتكفير فكرة الإنتخابات ومعتنقها قبل الإنقلاب على تلك الفكرة, بيد أن تلك الجماعات المسلحة لم تتغير مثلهم.

 

وهنا ولاية سيناء تداعب مئات الشباب الذين آمنوا بتلك الفكرة سنينا طويلة, قبل أن يُغيروا جلدهم إيمانا أعمى منهم بآراء مشايخهم التي تغيَّرت بدورها, لكن من الطبيعي أن يحتفظ هؤلاء بحنين وميل لروايتهم الأولى قبل التبرير الأخير, ومن السهل الوصول لتلك الفكرة ورفعها للسطح من جديد خاصة بعد النتيجة الكارثية التي تمخضت عنها أول سنة إنتخابات والتي سوَّق لها مشايخهم باعتبارها مُجرد سبيل لتطبيق شرع الله أو الحاكمية.

 

ومن المُلاحظ هنا أن تلك الأفكار مؤثرة في قطاع الشباب داخل الإخوان المسلمين أو الجماعات السلفية أكثر من تأثيرها على القيادات, وذلك بالطبع متعلق بحداثة السن وحداثة الأفكار وسهولة تطويع شخصياتهم.

 

ثانيا: استثمار حالة الغضب

في انتخابات تعددية حقيقية حصل مرسي على كرسي الحكم بفارق بسيط عن منافسه, لكن من الواضح لاحقا أنه لم يتمكن من تلابيب الحكم بشكل كامل, وأن مؤيدي منافسه حاولوا إفشال تجربته قبل الإنقلاب عليه, وهو الموقف الذي قد يدفع مناصري مرسي ومناصري الفكرة الإسلامية إلى الكفر بفكرة الديمقراطية التي لن تسمح لهم بالتفكير المشروع في إمكانية حكمهم لمصر طبقا للطرق السلمية المُتَّبعة, وبالإضافة لحالة الغضب جراء إفشال مرسي ونزعه انتزاعا من فوق كرسيه.. هناك أيضا حالة غضب من تلك الدماء الكثيرة التي سالت بعدها لمنع إحتجاجات التيار الإسلامي.

 

حالة الغضب تلك تستثمرها المجموعات المسلحة في جذب قطاعات من الإسلاميين الذين آمنوا بالطرق الديمقراطية في السابق, وأيضا في إنماء فكرة أن هؤلاء العشرات من الآلاف الذين انقلبوا على الديمقراطية ودعموا قتلهم وحبسهم غير مؤهلين ليحددوا آليات الحكم في مصر, بل ولا يستحقون إلا الغضب!

 

وهو ما يُبرر إمكانية الإعتداء عليهم لاحقا كنوع من انواع تفريغ ذلك الغضب.

 

ثالثا: الأمل

الصورة عالية التقنية التي تبثها إصدارات ولاية سيناء المرئية, وكذلك الإيحاء بمدى قوتهم وإمكانياتهم التسليحية, هي رسالة أمل لهؤلاء المترددين, كوّن ذلك الطريق ليس كما طريق المظاهرات  والإنتخابات الذي اتضح انه كالحرث في الماء, وأن طريقهم المُسلح ينتج عنه تقدم حقيقي قد يُحدث التغيير الشامل والدائم.

 

والمقارنة بين هؤلاء الإسلاميين الذين ذهبوا في طريق الانتخابات كالرئيس الأسبق نفسه, ومصيرهم في السجون, وربط ذلك بالذل, وبين هؤلاء الذين حملوا السلاح فنالوا نصرا أو شهادة, هو مداعبة لهذا الأمل, فكلا الأمرين – النصر والشهادة – هو انتصار ونجاح في كل أدبيات الإسلاميين بمُختلف أشكالها.

 

***

رسائل مغلوطة

وبما إن هذه الحرب حرب فكر في الأساس, وأن النظام الحاكم مشغول بمحاربة الفكر بالسلاح كاختيار أول, متغافلا عن كل ما هو غير ذلك, وكذلك إنعدام الثقة بين شباب التيارات الإسلامية وبين المؤسسات الدينية المختلفة, وكذلك اهتزاز الثقة بينهم وبين قياداتهم ومشايخهم باعتبار ما آلت إليه الأمور, فمن الواجب علينا جميعا – باختلاف أفكارنا – أن نُبيِّن كم المغالطات في تلك الرسائل التي تُبث باحثة عن غاضبين جُدد يحملون السلاح ليوجهوه للناس دون أي منطق أو تأصيل, وهو طريق أنجع من طريق سبهم بالأب والأم دون ملاحظة لذلك التغيُّر الهائل الذي حدث في شخصياتهم جراء تلك الفترة العصيبة.

 

عمر الديب الذي ظهر في إصدار ولاية سيناء الأخير مثال على ذلك, فالفتى الصغير تغيرت أفكاره من طلبه من الناس النزول لصناديق الإستفتاء في مارس 2011 سواء كانوا سيصوتون بنعم أو سيختارون لا, تغيّر ليؤمن أن ذلك الصندوق الإنتخابي شركٌ بالله !

 

أولا: الحاكمية.. الشعار والواقع

من هؤلاء الذين سيكونون " كلمة الله " في الأرض ليحددوا كيف هو حكم الله ويشرعوا بإسمه, هل هم مشايخ حزب النور الذين يرمون مثلا مشايخ الإخوان بالفسق والفجور ويُرموّن هم بالعكس منهم, بينما يُكفَّرون جميعا من شيوخ الحركات المُسلحة ؟ أم سيتركون تحديد حكم الله لمشايخ الأزهر ؟! أم لمنظري القاعدة أم لمنظري داعش والذي يختلف بعضهم مع بعض لدرجة التكفير في بعض الأحوال ؟!

 

من المنطقي أن تكفل الديمقراطية وصول سياسي متدين لكرسي الحكم, وأن يميل في اتجاه تشريعات تميل لأفكاره بموافقة الناس, دون حجب إمكانية تغيير ذلك لو رأى الناس غير ذلك, وإلا سنترك الأمر لبعض الناس – دونا عن غيرهم – لينَّصبوا أنفسهم حكاما بإسم الإله الذي قال على لسان نبيه الذي لا ينطق عن الهوى أننا أعلم بأمور دنيانا, وإن كانت التجربة الأولى فشلت فهل البديل أن نترك ذلك الإختيار الذي نحاول إحياءه وتثبيته ونذهب إلى أن القادر على الحكم بالسلاح يحكم, فيصير الحكم لمن هو أكثر تسليحا وينتهي الحال بجماعات إسلامية وعلمانية وغيرها متطاحنة, وحتى لو وصل فصيل إسلامي مسلح للحكم ليحكم باسم الله سيواجهه فصيل إسلامي مُسلح آخر ليسقطه من الحكم ليحكم هو باسم الله لاختلافهم في تحديد كيف يحكم الله؟!

 

ثانيا: الغضب

جمعة الغضب كانت استثمارا سياسيا لغضبة الناس ليحققوا أهدافهم, فالغضب قد يُستثمر في تحقيق مآرب سياسية أو يُستخدم للإنفجار العام بغض النظر عن النتائج.

 

النظام الحالي لم يفعل إلا استغلال نقاط ضعفكم وقراراتكم وتغلَّب عليكم في لعبة سياسية استخدم فيها كل الأساليب المُتاحة, فالأمر يستحق غضب من أجل تعامل سياسي أكثر مقدرة على تخطي العقبات التي قد يضعها أمامك خصم سياسي ما, أما الغضب الذي تركبه ولاية سيناء وتدفعه للإنفجار بداخلك ما هو إلا تفريغ شحنات غضب في صدور الناس لن يصل بك إلا أن تكون مُريقا للدماء تحت مُسميَّات عدة وتحليلات مُختلفة كلها مُجرد هراء لا يسمن ولا يغني من جوع, ونهاية ذلك الطريق فراغ, مُجرد بيدق غاضب يُكسر ظهره ليركب عليه الآخرون.

 

ثالثا: هل ثمة أمل في هذا الطريق؟

أسامة بن لادن أقام دولة مع طالبان, واستقر الحال بهم, ثم ماذا ؟! تركوهم يقيموا دولتهم ثم كسروهم وكسروا معهم كل إرادة لتكون أفغانستان تابعة بالكامل لهم, والآن لا ذكر للقاعدة تقريبا إلا بعض الجيوب الحاملة لأفكارهم والمتناثرة هنا وهناك.

 

وكذلك دولة داعش, كيف تركوها تتوسع في رقعتها حتى أصبحوا وكأنهم متجهون لتحرير القدس ! ثم انقضوا عليهم فأرجعوهم لرقعهم المتناثرة, وكأنهم مُجرد دُمى يتركونهم ليندفعوا للأمام ليستفيدوا من تقدمهم – حتى وإن خُيِّل لك غير ذلك – ثم عند الوقت الذين يروه مناسبا ينقضون عليهم فيمزقوهم.

 

لو راجعت كل العمليات التي قامت بها ولاية سيناء على سبيل المثال, أُريقت الدماء واستفاد النظام, من راحوا في الغالب مجندين يقضون الخدمة العسكرية, أو مواطنين لا حول لهم ولا قوة, واحتفلت أنت بالنصر كما ذاك الصوت في الإصدار المرئي الذي يهتف ( الله أكبر ) مع كل دماء تسيل, لكن في النهاية استغل النظام هذا الإجرام ليزيد من قوته وترسيخ حكمه.

 

لا أمل في طريق يبني على دماء الخصوم السياسين, واستخدام القوة لم ينفع الذي قبلك حتى ينفعك الآن, بل هو شطط في الدنيا وعند الله تذهب مُحملا بالدماء فوق كتفيك.

 

أما طريق الحسنى ونشر الأفكار بالطرق السلمية ومحاولة اجتذاب الناس لصفك وإجبار خصومك ليعتبروا طريقا ديمقراطيا يختار فيه الناس حكامهم, فهو طريق طويل وشاق لكنه في نهايته نور.

 

ليس هناك أقوى من تجمع الناس حول فكرة, وجحافل النمل تستطيع أن تهزم فيل إذا تجمعت على كلمة سواء, وهذا الطريق حق مشروع يُدافع عنه الجميع, حتى وإن انقلب البعض عليه ووضعوا لك العوائق, فلا يُوجد طريق سيُعبِّده خصمك لك.

 

***

ليس هناك تمثال يُعبد من دون الله يُدعى " ديمقراطية " بل هو اختيار إعطاء الفرص للجميع كي يقولوا آرائهم وليختار الناس الرأي الذي يرونه أنسب لإدارة حياتهم, وذلك الطريق هو الطريق الذي قد يستخدمه البشر بدلا من أن يقتل بعضهم بعضا ليفرضوا كلمتهم برهة من الزمن قبل أن يقتلهم خصمٌ جديد ليفرض كلمته برهةً أخرى من الزمن !

 

الديمقراطية هو اختراع بشري تطور مع الزمن, وصل في وقتٍ من الأوقات لما أُطلق عليه " شورى " ثم ذهب إلى إشراك مجموعات أكبر من البشر في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة حياتهم, وهذا يتفق مع تنوع الأفكار – حتى في التيارات الإسلامية – وزيادة أعداد البشر, وهو طريق يصلح لتعايش الناس دون عنف, وهو أيضا طريقٌ يعاديه كل مستبد مُتجبر سلطوي,

 

دعونا نتحاور قبل أن تذهب هناك ولا تعد.

اعلان

اهم الاخبار