من العامرية إلى الغوطة.. موت مستمر بلا حساب!

من العامرية إلى الغوطة.. موت مستمر بلا حساب!

مها عمر

مها عمر

07 مارس 2018

 

الغوطة حزام البساتين الممتد حول خصر الشام، حلتها وبساتينها كما جاء في كتاب "عجائب الدنيا وقياس البلدان" لسليمان التاجر، الذي يشتهر بالتوت الشامي والمشمش، والذرة الشامية الشهيرة وخير ما أنزل الله على الأرض، وما اعتبره المؤرخون من عجائب الدنيا، تموت اليوم قهرا وقصفا، ويُمنع عن أهلها الطعام، حتى بات أهلها يتناوبون على أكل القمامة، ويجبرون أولادهم على تناول الطعام بالدور.

 

الغوطة اليوم مسرح كبير لاستعراض الأسد لقوته، على أهلها وأطفالها وشيوخها ونسائها وأطفالها. موت مستمر لا يقطعه هدنات ولا يريد لهم أن يخرجوا منها أحياء وكأنه رهان اتخذه بينه وبين نفسه.

 

لا يصدق أهل الغوطة قصص الهدنات التي تعرضها شاشات التلفاز ويوقعها قادة الدول الكبرى، فعلى الأرض يُرتكب كل قبيح ممكن. منذ قرار مجلس الأمن 2401 وهدنة الخمس ساعات لم يسمعها أهل الغوطة.

 

سياسية العقابات الجماعية التي تعيشها حاضنات الثورات، والتنكيل الذي يتعرض له كل من تسول له نفسه التضامن مع أهالي الغوطة في دمشق القريبة أمر لا يصدقه عقل.

 

في إحدى الشهادات التي نشرها موقع جلوبال فويسيس عن أهالي الغوطة الذين تركوها وذهبوا للعيش في دمشق يقول أحد الموظفين: "لدي أقارب وأصدقاء في الغوطة الشرقية. ينشرون التحديثات عن ظروفهم التي لا تطاق على وسائل الإعلام الاجتماعية. لقد فقدت ثلاثة أصدقاء منذ بدء العملية. يتم مراقبة موظفي الغوطة عن كثب. عليك أن تكون حذرًا حتى لا تظهر التعاطف. عليك أن تزن كلماتك بعناية".

 

كان الرجل يعيش وسط زملائه في العمل وهو يسمع منهم كيف تنزعج دمشق من الصواريخ التي تحوم ناحيتهم وتصم آذانهم، والتي يطلقها النظام على الغوطة، يسمعهم يقولون "يجب أن تُمحا الغوطة" وحين سُئل عما يشعر به قال: "عندما يشكو زملاء العمل من القذائف والصواريخ والدعوة إلى "محو الغوطة" ردًا على الصواريخ، كل ما عليك أن تفعله هو الابتسام والتحمل. أشعر بقلق عميق. لدي أصدقاء وأقارب هناك. لدي بيتي، أنا متأكد أنه أصبح كومة كبيرة من الأنقاض الآن. لدي طفولتي وذكريات الشباب هناك. عميقًا داخلي، أعرف أنني جبان. ولكن لا يمكننا القيام بشيء، لديهم القوة العسكرية الجبارة، أما الأمم المتحدة والمجتمع الدولي فقد أثبتوا عدم صلاحيتهم، نحن محاصرون في عجزنا".

 

الغوطة كانت ولازالت تعاني منذ العام 2013 من الحصار المفروض عليها من قبل نظام الأسد، الذي حول الحياة فيها إلى حياة بلا معنى، يقول أحد أطباء الأسنان الموجودين بالغوطة، إن هناك أطفالا وُلدوا في الأقبية لا يعرفون شكل الفواكه إلا في الكتب المدرسية، هناك منهم من عاش كل حياته في الأقبية حيث تغيب الشمس، ويعاني سكانها غياب التهوية الجيدة وينتشر الجرب.

 

كانت الأقبية التحت أرضية إحدى الوسائل التي لجأ إليها أهل الغوطة هربا من الموت ولحماية أطفالهم ونمط حياتهم، وهو نظام استوحاه المهندسون الغوطيون من حرب فيتنام التي خلق فيها أهل المدن أقبية ليحتموا فيها من الموت المباشر بالضواريخ الأمريكية.

 

اليوم يستهدف النظام هذه الأقبية بشكل مباشر ومات بالفعل عدد كبير من البشر من الأطفال والنساء والعجزة!

 

يطوف بذاكرتي ذكرى ملجأ العامرية، وصوت عود نصير شمة وقد كان أحد الذين استخرجوا الجثث المحترقة من القبو الذي كان ملجأ آمنا لعدد ضخم من المدنيين لم ينجُ منهم أحد.

 

من العامرية إلى الغوطة، يُفلت المقامرون بحياة الناس من العقاب، وكل ما يرجوه المدنيون بات أن يموتوا مع أطفالهم ميتة سريعة دون ألم، هكذا مثلما تهب الريح.

اعلان

اهم الاخبار