الخيال والتعاطف

الخيال والتعاطف

مها عمر

مها عمر

04 ديسمبر 2017

 

أرسلت لي صديقة خطاب ج. ك رولينغ، كاتبة السلسلة الأشهر والأكثر مبيعا في العالم هاري بوتر، وهو الخطاب الذي ألقته في جامعة هارفارد في حفل تخرج الطلبة عام 2008.

 

كان الخطاب من الذكاء والخفة والعبقرية بشكل متوقع من سيدة تشغل الكرة الأرضية بما تكتب، ويتسابق رجال ونساء العالم على اختلاف جنسياتهم ومواقعهم الجغرافية على قراءة كتبها.

 

أضحكت الجميع في البداية بحيث جعلتهم يتوقعون أن نصف ساعة خطاب سيكون محاولة لإثارة إعجاب الجميع بروحها الفكاهية، إلا أنها استطاعت أن تخلق من خطابها أطيافا سبعة، للضحك تارة وللتفكير تارة، وللشجن والتأمل تارات أخرى.

 

كان الأبرز فيما قالته ج. ك وبعيدا عن السياسة ومآسيها وكوميديتها السوداء، تلك القدرة على البناء من الحطام. ذكرت ج. ك كلمة الفشل في خطابها الصالح لكل مكان وزمان، أكثر من عشرين مرة. وذكرت أن أكثر الأشياء الثمينة التي يخرج بها المرء من الحياة هي الصداقات. العلاقات الإنسانية هي الأثمن، وأن الفشل تجربة تبني في ذاتك الخيال، لأن الفاشلين هم أناس يبحثون عن الحياة.

 

تحدثت ج. ك أيضا عن أن هناك أشياء في الحياة لا يمكن اعتبارها اعتباطا أمورا عادية، كولادتك في بلد ديمقراطي تستطيع فيه أن تقول رأيك دون أن تتعرض للقتل أو الاعتقال أو المطاردة.

 

ذكرت ذلك وهي تعدد تجارب عملها في منظمة العفو الدولية، وروت تجارب عن الذين يراسلون المنظمات الدولية بصور أناس مختفين قسريا أملا بالعثور عن أي أخبار عنهم، وعن الصوت الذي كانت تسمعه من خلف الأبواب المغلقة لأناس عرفوا أخبارا سيئة عن أحبائهم، حكت ذلك وهي تقول أن الخيال هو من يجعلك تتعاطف مع أناس لم تعش تجاربهم التعيسة.

 

أسمع كل هذا وأنا تجارب جيلي في بلد لا يمكن أن يقال عنه أنه بلد مستقر أو ودود مع الباحثين عن ذواتهم، ممن كدحوا من أجل الحصول على درجة أكاديمية، أو ممن يعملون صباحا ومساء من أجل إطعام أنفسهم وأسرهم، أو من أجل بناء مستقبلهم أو بحثا عن الاستقلال المادي عن أسر بطريركية تأسر العقول والقلوب في زنازين العادات، وأسمعها وأنا أعرف أن عشرات من أبناء هذا البلد ينامون في سجون قذرة بالية، أنهكتهم، وقضت على أحلامهم، وحولتهم إلى رقم جديد في كشوف الظلم الكبير.

 

أن تولد في أحد بلدان العالم الثالث هذا، معناه أن لك حكاية بالضرورة. كتلك التي كانت تحكيها، شابة كانت في أحد المداس الدخلية للبنات في رواندا، واختطفها مع غيرها مجموعات من العصابات المسلحة إبان الحرب الأوغندية وتبخرت كل أحلامها، ووُهبت كعبدة لأحد عجائز القبائل فأصبحت زوجة له وأنجبت منه طفلين. أو كتلك التي أنجبت طفلتها الأولى من مختطفها وهي في الرابعة عشر من العمر.

الظلم يمحو الحق في تقرير المصير، لكن الاختيار يعيد لك هذا الحق من جديد. ولا يوجد جهاز عصبي في هذا العالم قادر على تحمل كل تبعات الظلم، دون أن يفقد شيئا من اتزانه، إلا أن إعادة الاتزان معركة بقاء لا تقل في أهميتها عن البقاء نفسه.  

 

اعلان

اهم الاخبار