العدالة.. كلمة السر!

العدالة.. كلمة السر!

مها عمر

مها عمر

11 أغسطس 2017

(1)

مشاهدات لطيفة هذا الصباح، فيلم وثائقي عن النيزك الذي ضربت شظاياه جزءا متطرفا من روسيا، تمر عينيك على القائمة الكاملة لمن عملوا في التنظيم الطليعي، أحدهم أضفتها على الفيس بوك مذيلة بتعليق عن أن النظام لا يحمي أحدا. لو أردتم أن تقوموا بحركات بطولية فاحذروا لأنه لا يجدر بكم!

 

ثم تقع عينيك على تدوينة هشام جعفر رئيس مجلس أمناء مؤسسة مدى الذي يموت بالبطىء في السجن، في طريقه لفقد نور عينيه بسبب التعسف في عرضه على طبيب السجن، وتعمد قتله بسبب الإهمال الطبي. قبل قراءة التدوينة توقعت أن أقرأ شيئا عن المعاناة اليومية للرجل في السجن، حيث حرارة لا تطاق، وقذارة لا يمكن احتمالها وتعمد لإنهاء كرامتك أو تعلقك بأبسط الأشياء، فضلا عن التكدير المستمر.

 

توقعت أن أسمع شكا في جدوى وجود إله! أو في شيء يمكن أن يحيلك إلى كراهية هذا البلد. لكني فوجئت بالرجل يرسم ملامح المستقبل. يرسمها بوعي كامل وحروف مستقيمة ودأب عجيب. أي رسالة كان يريد الرجل توجيهها لنا؟

 

علمتني قضية آية حجازي وقضايا كثيرة لمعتقلين في بلدي، أن التحدث عن قضية فلان أو علان مهمة حتى لا تموت الحقيقة في السجون. لكن هذا الرجل لم يستجدِ الاهتمام أبدا. لم يتحدث عن آلامه، التي يبدو أنها لم تغير شيئا من إنسانيته.

 

(2)

"تقترب ذكرى رابعة "..

الجملة مخيفة. أتذكر الليلة الطويلة التي جلست بطولها أتفرج على الوثائقيات التي أعدتها الجزيرة عن رابعة، كان ذلك بعد رابعة بقليل، لا أذكر كم مضى من الوقت. وأعتقد أني من وقتها لم أنم نوما طويلا.

 

تذكرت تصريحات المعتقلين في السجون التي أعدها خورخي فيديلا تحت أقدام المشجعين في الاستاد الوطني. وكأن الأرجنتين وقتها انقسمت قسمين، قسم كان يشجع الكرة بينما الآخر تحسبه قهرا آهات المعتقلين. تماما مثلما تبدو القاهرة هذه الأيام. كل فيها يغني على ليلاه. كانت ابنتي وقتها رضيعة تبلغ شهرين فقط. كنت في طريق ذهابي وعودتي من عيادة الطبيب، أرى الحشود تتجمع هناك. الشارع كان يلتقط أنفاسه بصعوبة.

 

شيء لعين أن تسكن جوار المسجد. حين يرتبط اسم امرأة زاهدة في عقلك بأبشع مذبحة حدثت في التاريخ المصري الحديث. وتمر السيارات والبشر من نفس المكان. تشرد ببصرك في عنوان المبني وفيما جرى فيه.

 

مات خورخي فيديلا على فراشه في السجن، في الوقت الذي وجد فيه الباحثون بقايا بشرية في كل مكان مظلم في الأرجنتين. قليلون هم المحظوظون الذين استطاعوا أن يجدوا رفات أحبابهم، أو أن يعرفوا ما أصابهم.

 

أحد شعراء الأرجنتين في المنفى، اختطفوا ابنه وزوجته وأمها، ولم يستطع العثور فيما بعد على أي منهم. أحد الرهبان في أحد الكنائس همس له أن الأم بخير. كانوا ينتظرون ولادتها حتى يختطفوا الصغيرة. وبالفعل، اختطفت الصغيرة وتربت في كنف عائلة أخرى في بلد مجاور بمعرفة ذات الراهب. وبعد سنوات طويلة استطاع الراهب الوصول إلى حفيدته، وبعد سقوط الحكم العسكري في الأرجنتين، استطاع الشاعر الوصول إلى رفاه ابنه، الذي وُجده في برميل بأحد المصانع المهجورة، مصبوبا فوقه كتلة أسمنتية حتى تمنع الرائحة.

 

لن تمنحك الحياة في كل مرة تفسيرا منطقيا لمعاناة أو ألم. لن تخبرك عن سر الراحلين، ولن تخبر الراحلين عما بقي لهم من الزمن. لعلها العدالة فقط هي كلمة السر.

 

اعلان

اهم الاخبار