المجموعات السرية على الفيس بوك.. الحاجة أم الاختراع

المجموعات السرية على الفيس بوك.. الحاجة أم الاختراع

مها عمر

مها عمر

19 مايو 2017

 

تتباين وتتعد تعريفات كلمة المجتمع، ويبدو أن العلماء أنفسهم في علم الاجتماع وعلم النفس وفي السياقات القانونية يستخدمون كلمة المجتمع بمعنى مختلف كل في سياقه.

 

فتارة يتم تعريف المجتمع على أنه المجموعة من الأفراد التي تسكن بقعة جغرافية ما، وتارة على أنه مجموعة المبادىء والقوانين التي تربط الأفراد بداخلها، وتارة أخرى على أنه نسيج العلاقات الاجتماعية التي تقوم بين الأفراد، وتهدف إلى سدّ حاجاتهم وتحقيق طموحاتهم وأهدافهم القريبة والبعيدة.

 

ولست باحثة اجتماعية قادرة على القراءة في كل المباحث لاستخلاص المعنى القريب إلى استيعابي إلا أنني أرى أن أقرب المعاني هو المعنى الأخير "نسيج العلاقات الاجتماعية التي تقوم بين الأفراد، وتهدف إلى سدّ حاجاتهم وتحقيق طموحاتهم وأهدافهم القريبة والبعيدة".. وأعتبره مناسبا للسياق الذي يتحدث عنه ويتناوله هذا المقال.

 

لكن مجتمعنا المصري وتحديدا بعد ثورة الخامس والعشرين، انفجرت فيه الدعوات إلى الحرية، وطفا على السطح أشكال كثيرة من التوجهات كانت لتبقى طي الكتمان لو يتم إعلاء قيم الحرية في سياق الثورة. وما تبع ذلك من استقطاب سياسي وطائفي وديني على حساب أشياء أخرى، وأصبح هناك جيل يخرج كل ما في جعبته من استجوابات للأفكار الدينية التي يراها تحتاج إلى مراجعة، وما إلى ذلك من أفكار سياسية بالية إلى حقائق سياسية لم تعد كذلك، إلى سقوط جماعي لكوكبة من رموز الفن، هتك سر القداسات.

 

هذا التشويش الذي حدث، على ما اعتبر في وقت ما "مسلمات" وبديهيات احتاج إلى إعادة ترتيب أوراق.

 

كثيرون اعتبروا البداية ممكنة من خلال العلاج النفسي، الذي اتخذ – وللمرة الأولى منذ عقود – شكلا جديدا عن المريض الذي يجلس على الشيزلونج ليحكي تاريخ حياته باعتباره إنسانا مضطربا، المفاجأة التي وعى بها كثيرون: أننا جميعا مضطربون!

 

مجموعات الدعم النفسي – والتي ظهرت للمرة الأولى في إعلانات أحد مشروبات الشعير – والتي تناولت الرجولة بطريقة فجة وبائسة، ظهرت بشكل أكثر وضوحا وصراحة في مسلسل تحت السيطرة، ولأن الكثيرين لم يعودوا قادرين على هذا الشكل، بدأت هذه المجموعات تتكون على الفيس بوك.

 

تكون كثير منها مبادرات غير جادة، أما المبادرات الجادة منها فهي جادة بالفعل وتسعى إلى مساعدة أفرادها، وتقديم الدعم لهم بشكل فعلي، أما المبادرات النسوية أكثر المبادرات التي تفضل أن تكون سرية، مبادرات تدعم المرأة التي تتعرض للعنف، أو تلك التي تسعى للاستقلال سواء أكانت متزوجة أو لا أو مبادرات تسعى لتقديم الدعم القانوني والنفسي للأمهات المستقلات.

 

 

سيفاجئك ما يحفل به المجتمع من بؤس في العلاقات الإنسانية، وبؤس على المستوى القانوني، وبؤس على المستوى الاجتماعي ككل. تعليقات الرجال على شكاوى المرأة مما تتعرض له المرأة من تمييز في محل العمل أو مع زوجها في البيت أو حتى من أسرتها، غالبا، ما تكون تعليقات من نوعية "اقبلي بالأمر الواقع وكفى ولولة ونحن أيضا الرجال نتعرض للتمييز".

 

أما في المجموعات السرية للرجال فهي ليست أكثر بهجة من تلك التي للمرأة، ولكنها أكثر قدرة تفسيرية لشكاوى الطرف الآخر.

 

المساحات التي يحوزها الرجل في مجالات بعينها، يتم التضييق عليه فيها في مساحات أخرى. هذا بالإضافة إلى ما يراه عبئا اجتماعيا مضافا عليه في بعض المجالات التي لا بد من خوضها مثل الزواج مثلا.

 

المجموعات السرية، تقوم مقام الحرملك على أن الأمر في القرن الواحد والعشرين، يختلف كثيرا، كونه حول الحرملك إلى مساحة للبوح وليس للاحتجاز فضلا على أن النساء فيها لا ينتمين لرجل واحد، بل ينتمين لمجتمع واحد يعاملهن جميعا على أنهن "حرملك".

 

التمييز مسحوب على الرجل والمرأة على حد سواء، ولكن المرأة بميراثها من البؤس المجتمعي تتفوق على الرجل بالطبع. ولقد أصبحت المجموعات السرية على الفيس بوك حاجة أكثر منها "مساحة رغي" للكثير من الناس في ظل غياب أي آليات مدنية تقدم مساعدة حقيقية للناس في هذا البلد.

 

اعلان

اهم الاخبار