نصف هزيمة.. نصف أمل

نصف هزيمة.. نصف أمل

تامر أبو عرب

تامر أبو عرب

22 مارس 2018

 

(نوفمبر 2011)

بدأت القصة بحلم. كما تبدأ القصص دومًا.

 

حلم بوطن حر يحكمه القانون ويسوده العدل وتعلو فيه قيمة الإنسان، يديره بشر يمكن محاسبتهم وعزلهم أو تثبيتهم، يخشى فيه الناس إذا غابت الشرطة لا إذا حضرت، ويكفل لجميع مواطنيه حياة كريمة، بعد أن يكفل لهم الحق في أن يحيوا أصلا!
 

لكن قليلا من أحلام البدايات تلك التي تتحول إلى حقائق في نهاية المطاف. كثيرًا منها تبقى أحلاما إلى الأبد، وبعضها يتحول إلى كوابيس.

 

لذلك نزل معوض عادل ابن العشرين ربيعا إلى شارع محمد محمود الفاصل بين ميدان التحرير ومبنى وزارة الداخلية، خوفا من نهاية مأساوية لقصة ثورة 25 يناير التي بدا أنها تنحرف عن مسارها بعد أقل من 10 شهور على اندلاعها، نزل لمساندة مصابي الثورة وأسر شهدائها الذين فضت الشرطة اعتصامهم في الميدان بالقوة، ولمطالبة المجلس العسكري الحاكم وقتها بإعلان جدول زمني لتسليم السلطة إلى رئيس منتخب، وبينما لم يكن معوض ورفاقه يملكون إلا حناجرهم كانت الشرطة تستخدم كل أسلحتها القاتلة، سقط أحدهم بجواره، وبينما كان يحاول إسعافه وإبعاده عن موقع الاشتباكات استقرت رصاصتان في جمجمته ليسقط غارقا في الدماء!

 

لم أكن أعرف معوض وقتها رغم أننا كنا في محيط واحد، ربما وقف بجواري وسألني عما سيحدث إذا لم يستجيبوا لمطالبنا، أو رش على وجهي محلول الخميرة لتقليل مفعول القنابل المسيلة للدموع، أو اتكأت عليه عندما تعثرت، أو سمعت صرخته ضمن عشرات الصرخات التي كنت أسمعها بعد كل هجوم عنيف للشرطة تتفرق بعده الجموع ويسقط الضحايا، لكن ما أعرفه أنه بعدما وضعت الحرب أوزارها وانتهت أحداث محمد محمود بقيت أتابع أخبار ذلك الشاب الذي يشده الموت ويتمسك بالحياة.

 

(نوفمبر 2017)

في مستشفى على أطراف العاصمة البريطانية لندن كان يرقد معوض بنصف وعي.

 

دخلت المستشفى بخطى سريعة، وكلما اقتربت أكثر من غرفته تباطأت الخطى وتعالى صوت دقات القلب، انفتح باب الغرفة على شاب يافع ممدد على السرير ومتصل بأجهزة كثيرة وأسلاك أكثر، استرد جزءا من وعيه مؤخرا بعد غيبوبة دامت لأكثر من 5 سنوات وإن كانت الحياة ما زالت لم تعد إلى أطرافه.

 

غاب معوض عن الوعي لسنوات لكن جسده لم يتوقف يومًا عن النمو. تركت الأيام علاماتها على وجهه بحيث يمكنك تمييز عمره الفعلي ببساطة، شاب اقترب من الثلاثين. ولأن الزمن أبى أن يتوقف مع الوعي ضاعت على معوض سنوات عمره الأجمل، لم يعش مغامرات حبه الأول، لم يدلِ بصوته في أول وآخر انتخابات تعددية شهدتها مصر، لم يشهد فوز فريقه بالدوري بعد غياب 12 عامًا، لم يبدأ حياته العملية كصيدلي تحت التمرين، لم يحصل حتى على فرصة ليخطىء ويتعلم من أخطائه، فقط لأن هناك من قرر أن هتافه طلبا للحرية جريمة تستحق عقابا فوريًا يجعله عبرة لمن يفكر في أن يفعل مثله.

 

ألقيت عليه السلام، قبلت يده ورأسه، قمعت دموعي بناء على طلب مسبق من الأطباء نقله إليّ شقيقه مصطفى الذي يلازمه منذ أصيب ولم يفقد الأمل يوما في شفائه، نقلت إليه تحيات الجميع واعتذاراتهم، طلبت منه أن يبقى قويّا متمسكا بالحياة حتى تخضع لرغبته، أخبرته أننا جميعا في انتظار عودته قويا واقفا على قدميه، لم يظهر على وجهه ما يشي بأنه يسمعني ويتجاوب مع أقول لكنني واصلت الحديث، ربما لثقتي في أنه يشعر بي، وربما لأن حاجتي للحديث معه تفوق حاجته للاستماع.

 

***

كما جمعنا شارع محمد محمود قبل سنوات يا صديقي تجمعنا الآن عاصمة باردة تبعد عن وطن تسكنه أرواحنا بآلاف الكيلو مترات، جئتها أنت بحثًا عن فرصة للحياة، وجئتها أنا بعدما ضاق وطني بما أكتب وأقول ولم يعد هناك بديلا عن الفراق.

 

وكما ترقد متأثرًا بجراحك متنازلًا عن أهم سنوات عمرك، يعيش مئات مثلك بعاهات مستديمة وعلامات في الروح قبل الجسد، ويقبع آلاف خلف أسوار السجون محرومين من أحبائهم، ويسكن آلاف آخرين القبور بعدما فقدوا حيواتهم في محطات الثورة المتتالية.

 

كل هذه التضحيات تُصعب علينا التسليم بأن الربيع العربي كان محاولة تغيير فشلت وانتهى الأمر، هناك ثمنٌ باهظٌ دُفع مقدمًا، وهناك حرية يجب أن نحصل عليها في المقابل، ولكي يحدث ذلك علينا أن نقاوم يأسنا أولنا.

 

أعرف يا صديقي الصغير أن كل ماحدث يدعو إلى اليأس، فكلما خرجنا ضد ديكتاتورية نعود من المعركة أقل عددًا، ونستبدل الديكتاتورية بديكتاتورية أسوأ، لكن كلما ارتضينا اليأس خيارًا رأينا وسط المشهد الأسود أضواء بيضاء متقطعة تحاول إقناعنا بأن الأمر ليس مأساويا على إطلاقه، وبأن رصاصة التغيير خرجت مع الثورة وانتهى الأمر، قد تضل الطريق، قد يستغرق الأمر وقتا أطول، لكنها حتما ستصل.

 

هل تذكر الفريق سامي عنان يا معوض؟ نعم، إنه نائب رئيس المجلس العسكري الذي حكم الفترة الانتقالية ورئيس أركان حرب القوات المسلحة عندما كنت في الشارع تهتف ضد حكم العسكر.

 

ألقى الرجل بيانا أعلن فيه ترشحه للرئاسة في يناير 2018، شدد في خطابه على ضرورة إقامة نظام تعددي يحترم الدستور ويؤمن بالحريات ويحافظ على قيم العدالة ويقدر على إدارة التنوع والإختلاف، تحدث عن ضرورة إيجاد صيغة جديدة للعلاقات المدنية/ العسكرية، ألمح إلى حتمية وقوف القوات المسلحة على الحياد وابتعادها عن أي دور سياسي، وأكد أن مصر هي دولة البشر قبل أن تكون دولة الحجر.

 

نفس المبادئ التي كنت تطالب أنت بها عندما خرجت في 2011 وكان المجلس العسكري الذي يشغل فيه "عنان" منصب نائب الرئيس يرفضها ويخوّنك ويشوّهك ويقمعك ومن معك، وسواء قالها اقتناعا أو نفاقا، وبصرف النظر عن عدم تمكنه من الترشح ووضعه في السجن لاحقا، لكن هذا يعني ما ناديت به ما زال حيا، بل ويتحدث به من كان ألد خصومك.

 

دعك من هذا، هل تعلم أن شبابًا لا تتخطى أعمارهم 18 عاما يتحدثون الآن عن الثورة ويفخرون بانتمائهم إليها؟ هؤلاء عندما قامت الثورة كانوا أطفالا في سن العاشرة، وقضوا فترات التحول من الطفولة إلى الشباب أمام إعلام يعادي الثورة ويخوّن ما شاركوا فيها، ورغم ذلك يجاهرون بمحبتها والاقتناع بمبادئها، بل ويقيّمون الأخطاء التي وقع فيها الثوار.

 

هل تعلم أن جماهير الكرة عندما عادت لمدرجات الدوري المصري لأول مرة منذ سنوات هتفت "الحرية جاية لابد" بنفس الحماس الذي كانت تهتف به في الميادين؟

 

هل تعلم أنهم يبذلون الآن مجهودات كبيرة لإقناع الناس بالنزول والتصويت في الانتخابات ويتحدثون بوضوح عن أن شرعيتهم مقترنة بنسبة المشاركة؟ صحيح أنها لم تكن انتخابات تعددية ولا نزيهة لكن يكفي معرفهم بأن الشرعية أصبح مصدرها الصندوق واضطرارهم لطرح نفسهم على الناس كل 4 سنوات.

 

***

أعرف أن هذا كله ليس كافيًا، وأن تضحياتك ورفاقك تستحق ما هو أفضل بكثير، لكن لتعتبرها بداية، أو حالة اضطرار تسقط في مقابلها الفرائض، أو مرحلة فرز تعرف فيها من كان معك لأنه يؤمن بمبادئك ومن كان معك فقط لأنك كنت الأقوى، وإن كانت بعض الأحلام تنقلب إلى كوابيس، فكل الكوابيس تنتهي مع أول ضوء للفجر.

 

سيمضي كل هذا القبح حتما يا صديقي، لكن عليك أن تتعافى سريعا لأن ثمة خيط غير مرئي يجمعك بهذه الثورة، كانت قوية عندما كنت فتيّا، أصيبت عندما سقطت أنت على الأرض مصابًا، دخَلَت غيبوبة طويلة منذ غبت عن الوعي، لذلك فهي غالبا تنتظر وقوفك على قدميك لتعود إليها الحياة، فرجاء افعل ذلك سريعا.

اعلان

اهم الاخبار