أسبوع الآلام

أسبوع الآلام

تامر أبو عرب

تامر أبو عرب

03 ديسمبر 2016

 

الألم والحزن والغضب صاروا طقسًا عاديًا ومتكررًا في حياة المصريين، تحمل الأسابيع المتوالية أخبارًا سيئة تجعل حياتهم أصعب وغضبهم أكبر وثقتهم فيما يحمله المستقبل أقل، لكن يبدو أن إيقاع الكآبة يتسارع، فبعد أن كان موعد الكآبة شهري، أصبح أسبوعيًا ليلة كل خميس، ثم تحول الأسبوع الماضي إلى موعد يومي، وسيتناقص الفارق الزمني أكثر بين الحدث السيء والآخر والقرار الصعب والأصعب منه مادام النظام مقتنعًا بأن الطريقة التي يحكم بها تصلح لإقامة دولة.

 

السبت

كانت جثامين 11 من شباب مصر تتمدد داخل نعوشها في انتظار التشييع إلى مثواها الأخير، دموع آبائهم وأمهاتهم وأصدقائهم تفطر القلب، تتراوح أحاديثهم المقتضبة بين الفرحة لنيل الشهادة، والحسرة على فقد العائل والسند، وطلب الثأر.

 

بالتزامن مع ذلك كانت المواقع تنشر مجموعتان من الصور تضاعفان من ألم المصريين على أبنائهم، المجموعة الأولى لتنظيم داعش المجرم يكشف خلالها عملية اغتيال جنودنا في كمين الغاز، والمجموعة الثانية للفيف من مسؤولي الدولة على رأسهم المتحدث العسكري ورئيس مجلس النواب يحضرون حفل زفاف ابنة شخص يظهر على التليفزيون بابتسامات واسعة ووجوه بشوشة.

 

والأكثر صعوبة من الحادث والجنازة والصور الابتزاز الوطني الذي يحدث بعد كل حادث شبيه والذي يحرّم مناقشة ما حدث أو المسؤول عنه وإلا تصبح شريكا في المسؤولية عن الدماء، شامتا في بلدك، ولذلك وبذلك يستمر الإرهاب ويحقق في كل مرة نجاحات جديدة.

 

بالطبع لا يوجد شرف أرفع من الجود بالنفس في مواجهة إرهابي أو محتل، لكن يجب أن يكون ذلك دوما هو الخيار الأخير، وأن نبذل في الطريق إليه كل الوسائل لعصمة أرواح أبنائنا، لكن عندما تكون شبهة التقصير حاضرة في أغلب المرات تصبح المراجعة واجبًا والمحاسبة فرضًا والتكرار جريمة.

 

الأحد

في هذا اليوم تم تدشين مرحلة جديدة، تم الانتقال من مرحلة "دخول كلية الشرطة بالواسطة لكن مش بنقول"، إلى مرحلة "دخول الكلية بالواسطة وبنقول واللي مش عاجبه يشرب من البحر".

 

خيم الحزن مساء الأحد على 8500 شاب هم إجمالي المرفوضين في كشف الهيئة بعد تجاوزهم كل اختبارات كلية الشرطة وهم يطالعون عرائض الشكر التي كتبها زملاؤهم المقبولين لأعمامهم وأقاربهم المستشارين والضباط والنواب على جهودهم في التوسط لهم، وامتد الحزن ليشمل كل حالم بالالتحاق بالكلية مستقبلا، ويطال كل من صدّق ما ورد في المادة 53 من الدستور التي تقول نصا: " المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر".

 

ما حدث في هذا اليوم يمكن ربطه بقوة بما حدث في اليوم السابق، كون الواسطة هي العامل الأهم في دخول كليات الشرطة والحربية يجعل المسؤولين عن تأمين المواقع الحيوية وقبلها تأمين أرواح جنودهم ليسوا الأعلى كفاءة بل الأشرف نسبا والأكثر علاقات، والإرهابي لا يسأل الضابط قبل مهاجمته عن ماله وأقاربه وعلاقاته.

 

الاثنين

"إعفاء كميات الدواجن المجمدة التى ستستورد أو تم استيرادها خلال الفترة من 10 نوفمبر 2016 وحتى 31 مايو 2017 من الضرائب الجمركية".

 

هذا هو نص قرار رئيس الوزراء الذي نشرته الجريدة الرسمية وأثار ذعر كل العاملين في الإنتاج الداجني واستغراب الجميع، فهكذا وبهذه البساطة تؤخذ القرارات في مصر، فوقية فجائية غامضة مريبة.

 

زعمت الحكومة ودوائرها أن القرار هدفه دعم المنافسة وتقليل أسعار الدواجن لصالح المستهلك، رغم أن أسعار الدواجن أصلا لا تشهد ارتفاعات جنونية في كالتي تشهدها سلع أخرى لم تحرك الحكومة تجاهها ساكنا، فضلا عن أن الإنتاج المحلي يكفي 90% من استهلاك المصريين للدواجن، ما يعني أن الدواجن المستوردة ستأخذ من نصيب الإنتاج المصري ومن ثم إغلاق مزارع وتسريح عمالة وإفساد صناعة مأزومة أصلا، لكن بعيدا عن كل ذلك: لماذا يبدأ سريان القرار من 10 نوفمبر لا أول نوفمبر ولا منتصفه؟ ولماذا بأثر رجعي؟

 

أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية: رفع الجمارك عن الدواجن قرار صحيح ويحمي المواطن من جشع التجار (اليوم السابع – الأربعاء 30 نوفمبر).

 

ميناء الإسكندرية يستقبل ٥ شحنات دواجن مستوردة لشركة وكالكس للتصدير والاستيراد المملوكة لأحمد الوكيل والإعفاء الجمركي يوفر له مليار جنيه (البوابة – السبت 3 ديسمبر).

 

لم تعد الإسئلة بحاجة لإجابات.

 

الثلاثاء

رفضت لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب مشروعي قانون لتعديل المواد المتعلقة بخدش الحياء العام بقضايا النشر في قانون العقوبات.

الخبر في حد ذاته لا يستحق التوقف أمامه، فأجندة هذا البرلمان منذ بدأ عمله وهي ضد الحريات، لكن ما جعل الخبر انتكاسة جديدة بين الانتكاسات الكثيرة التي تعيشها مصر مؤخرا أن النائب أبو المعاطي مصطفى قال مبررا موقفه برفض التعديل: " إن أعمال مثل السكرية وقصر الشوق فيهم خدش حياء، ونجيب محفوط يستحق العقاب، بس محدش وقتها حرك الدعوى الجنائية".

 

انتهوا من تشويه الحاضر فتحولوا إلى النبش في الماضي لتشويهه هو الآخر، الرجل الذي أصبح اسمه أيقونة وتنقل رواياته الحارة المصرية إلى كل أرفف مكتبات العالم، الرجل الذي لا يزال أحد أهم دعائم قوة مصر الناعمة وأحد رموزها القلائل الذي تقلدوا جائزة نوبل، يستدعون روحه الآن لعقد محكمة تفتيش يصلبون فيها أدبه ويجلدون إبداعه.

 

هذا الرجل عضو في اللجنة التشريعية ويضع للمصريين القوانين التي تنظم حياتهم، ونائب في البرلمان المصري العريق الذي لا يستحق أبدا هذه النهاية البائسة.

 

الأربعاء

بعد ساعات من حدوث كارثة السيول في البحر الأحمر وقنا وسوهاج لم تكن الحكومة قد وصلت بعد إلى المنكوبة، لكن عشرات الجمعيات الأهلية سبقتها إلى هناك ومعها آلاف الأغطية والملابس وكراتين المواد الغذائية، بعدها بدأت الجمعية مشاركة الأهالي في جهود إعادة إعمار منازلهم التي دمرتها السيول وانطلقت السيارات إلى هناك تحمل الأسرّة والأجهزة الكهربائية وقطع الأثاث.

 

هذا ما أكدته غادة والي وزيرة التضامن نفسها، وسريعا جاءت المكافأة.

 

أقر البرلمان قانون الجمعيات الأهلية الذي يجعل الحبس أقرب للقائمين عليها من حبل الوريد، 42 ألف جمعية أهلية تعمل في مصر قد تلجأ لإغلاق أبوابها خوفا من البنود المشددة في القانون التي تتعامل معهم كأعداء وتنظر إليهم كخونة، وخصوصا أن الأغلبية الساحقة منهم متطوعون لا ناقة لهم ولا جمل.

 

القانون لم يكن مخيفا لمسؤولي الجمعيات فقط، ولكن للحكومة نفسها التي فوجئت ببنوده الكارثية، وعندما حاولت التخفيف منها أو حتى مطالبة النواب بالانتظار لحين تقديم قانونها هي الذي يحتوي على قيود مشددة أيضا لكن ليس لهذه الدرجة، لم يسمح لها رئيس المجلس علي عبد العال بعرض وجهة نظرها، حتى أن وزير مجلس النواب مجدي العجاتي وقف وسط القاعة وأعرب عن استيائه من عدم الحصول على فرصة لشرح اعتراضات الحكومة وهدد بترك القاعة إن كان حضوره كعدمه.

 

أزمة القانون الجديد أنه ليس موجها فقط للمنظمات الحقوقية التي يخوض معها النظام حربا بلا هوادة، لكنه يقتل العمل الأهلي في مصر بمفهومه الأوسع، والأخطر أن ذلك يحدث في وقت تتخلص فيه الدولة من مسؤولياتها تجاه المواطنين وتعاني نقص موارد وقلة كفاءات كانت تعوضه الجمعيات.

لذلك فالقادم أصعب على الجميع.

 

الخميس

كان المصريون على موعد مع خبر سيء جديد صباح الخميس.

 

قرار جمهوري بزيادة الجمارك على 364 سلعة وصفها القرار بـ"الاستفزازية" بين 10 و60%، ليمهد ذلك لموجة جديدة من ارتفاع الأسعار تلحق بسابقاتها.

 

الغريب أن هذه السلع "الاستفزازية" تضم سلعا من نوعية "سترات وأحزمة النجاة، والكمامات، وأغطية الأرضيات والجدران، وأواني الطبخ والمائدة، وأقفال الأبواب والشبابيك، ومراوح المكاتب والجدران والأسقف، وأجهزة شفط الهواء، وأجهزة الحلاقة، وأجهزة تصفيف الشعر، وأجهزة استقبال البث التليفزيوني، وشاشات البلازما، ولمبات الفلوروسينت، وأقلام الحبر والرصاص"، ولا ندري ما الاستفزاز في شراء لمبة فلوروسنت أو قلم رصاص أو مروحة سقف أو كمامة، وهل يجب على المصريين أن يدفنوا أنفسهم بالحياة ليعوضوا فشل الحكومة والنظام في خلق حلول للأزمات الاقتصادية التي تسببت سياساتهم فيها أصلا.

في نفس اليوم كانت قوة أمنية تغلق مكتبات الكرامة التي أقامها الحقوقي جمال عيد في مناطق شعبية من حصيلة جائزة حصل عليها ليشجع الأطفال على القراءة، ويقدم لسكان هذه المناطق خدمة لم تفكر الحكومة في تقديمهم، لكن يبدو أنهم يعتبرون العلم والقراءة سلعة استفزازية أيضا.

 

الجمعة

50 ثانية هي مدة الفيديو المفزع الذي نشرته المواقع الإلكترونية الجمعة.

 

مواطن يشتكي لمحافظ بورسعيد ارتفاع أسعار السكر، لكن الأخير لم يبحث مع المواطن عن حل للمشكلة، لم يعتذر لأنه فشل في حل أزمات المحافظة المسؤول عن إدارتها، لم يكذّب كلامه ويؤكد له توافر السكر، لم يصمت حتى، بل تحفظ عليه وطلب من مرافقيه اصطحابه وقال: "والمصحف ما أنا سايبه. ده إخواني".

ولماذا يرهق المحافظ نفسه في التفكير إذا كان هناك حل أسهل؟ اتهام من ينتقده أو يطلب منه الإصلاح بأنه إخوان، وصفة مجربة وأثبتت نجاحا باهرا في مساعدة أصحابها عن الإفلات من تحمل مسؤولية أي فشل، كل المسؤولين الآخرين يفعلون ذلك، من عيّنوه أنفسهم يفعلون ذلك.

 

هو فيلم رعب يشرح لك كيف يمكن أن تصبح إرهابيا في 50 ثانية.

اعلان

اهم الاخبار