النظام الذي يختطف محمد البطاوي !!

النظام الذي يختطف محمد البطاوي !!

محمد طلبة رضوان

محمد طلبة رضوان

23 يونيو 2015


الزميل الصحفي محمد البطاوي، أحد رفاق التجربة المهنية، أعرفه من خمس سنوات، هم نصف عمري في الصحافة، دعك من كلمات المديح التي لا نتذكرها سوى مع الاعتقال أو الموت، فهما صنوان في مصر، البطاوي باختصار إنسان ناجح وصحفي ناجح، وكفى.

 

على مستوى العالم، يزداد الأمر سوءًا حين تكون مثل "البطاوي"، صحفيًا شريفًا، لا تقرأ الأخبار بعين "الآلة" إنما بضمير المثقف الواعي، المتألم للناس أينما كانوا، المنحاز إلى شقائهم الإنساني، وتطلعاتهم لحياة أفضل، المغتاظ من نهب حكامهم لأموالهم، وسيطرة أقل من 5 بالمئة من سكان العالم بمصادر الثروة والطاقة، يراكمون ملياراتهم فيما يراكم مليارات من البشر مراراتهم وفقرهم، وبؤسهم، ثمنا لمليارات الكبار، البطاوي يحول الأخبار إلى لحم ودم، يناقشك في كل واحد منهم كأنه جزء من همه اليومي، يفعل ذلك دون أن تفارقه ابتسامة محيرة لا تعرف إن كانت حسرة أم استبشارا !!

 

يفعل ذلك بهدوء، تجاوزت غبطته عليه إلى الحسد مرارًا، هدوء غير متكلف، تدين غير متكلف، بساطة غير متكلفة، البطاوي يعيش وهو "سايب يديه"، لم أره يومًا منفعلًا، لا رأيته، مرتان، مرة أيام اعتصام إسلام أون لاين، ضد تسريح الصحفيين والعمال، وكان انفعاله محل ذهول الجميع، والأخرى كانت علىّ، يومها رميت "إيفيه" عنصريًا على الإسلاميين، لم أكن أقصد لكن القافية تحكم، انفعل، فتعجبت، سألته في ذلك فقال: لو جاءت من غيرك لفوتها، لكنني لم أتوقع ان تاتي منك، لم تعودني على ذلك، وتصالحنا.

 

لا أذكر طوال مدة عملنا سويًا أن جاءني أحد يوم ليشكو من البطاوي، لم أره يومًا مخاصمًا لاحد، ولم أر يومًا من يخاصمه، حاولت مرة أن أبحث عن سبب يمكن أن يخاصم من أجله أي أحد البطاوي، لنفعله على سبيل المقلب ونرى، لا فائدة، البطاوي خلق ليحبه الناس

 

واحد من هؤلاء الذين لا يعنيهم الراتب، المهم أن يعمل مع من يحب، لا يهمه ماذا نأكل، المهم "اللمة"، لا يعنيه ما يقال بحقه من تقدير رئيسه المباشر، أو غير المباشر، يعنيه أن يكون راضيًا عن أداءه، وضميره مرتاحًا وكفى.

 

يحدثني عن قريته ومنظر الأخضر الممتد أمام نافذته ذلك الذي يحول بينه وبين القاهرة، ويكلفه سفرة يومية من طوخ إلى الدقي لكي لا يحرم صباحه من طلة الغيطان كل يوم.

 

يحدثني عن مطعم يسافر له خصيصًا كي يأكل منه، في بنها، لأن صديقه الذي يعمل فيه أخبره أن صاحب المطعم خصم نصف يوم من كل العاملين به عندما أخبروه أن عم فلان الذي يمسح سيارات الزبائن أمام المطعم طلب منهم وجبة لله لأول مرة منذ سنين فأعطوه، لم يخصم لهم لانهم أعطوه، إنما لأنه كان يظن أنهم يعطوه من أنفسهم طوال هذه السنين، وقف وسط المحل وصرخ، يا ظلمة إزاي سبتوا الرجل لغاية ما يطلب، البطاوي أحب صاحب المطعم من الحكاية وصار زبونًا دائمًا..

 

واحد من عيال الناس، من هؤلاء الذين نكتب على وجوههم السمراء قصائدنا عن مصر، وتطارد الكاميرا تعبيراتهم، دلالة بصرية على الجين المصري، فلاح .. صاحب ثقافة زراعية خصبة، وطباع لم تلوثها مداخن المدينة، يعرف ذلك كل من عرفه في إسلام أون لاين، في أخبار اليوم "جريدته الأصلية"، في كل مكان، الجميع يشهد للبطاوي على اختلاف ألوانهم وامزجتهم السياسية، من أقصى يمين الفلول إلى أقصى يسار الثورة، فمن يختطف البطاوي؟

 

البطاوي مخطوف منذ 7 أيام، ليلة أول رمضان، اقتحموا بيته، وكسروا الباب، وشدوه أمام أهله إلى حيث لا يعرف مخلوق، نكدوا على الناس في أول يوم صيام، ادعوا بعد ذلك أنهم قبضوا عليه بإذن من النيابة فيما تخبرنا زوجته أن اقتحام البيت بهذه الطريقة الهمجية لا يتناسب مع وجود إذن نيابة بحال، أهله بحثوا عنه في كل مكان دون جدوى، نقابة الصحفيين تدخلت وأجرت اتصالات بوزارة الداخلية – وفقا لجريدة البداية – دون جدوى، لم ترد الداخلية، تقدم النقيب ببلاغ للنائب العام، أخيرا: تلقت النيابة اتصالا من احد القيادات بالداخلية يفيد بأنه في طره، قيد التحقيق، بتهمة الانتماء لجماعة أسست بالمخالفة للقانون !!! (تعليق أحد الزملاء: البطاوي إخوان؟!! .. ده أنا كنت أنضم للجماعة من بكرة !!!).

 

تتساءل زوجته على صفحتها على فيس بوك اليوم: كيف يتم تحويله لسجن، وهو لم يعرض على النيابة في حضور محامي الأسرة أو محامي نقابة الصحفيين؟ من يثبت لنا أنه في استقبال طرة خصوصا أن الأخبار تواترت إلينا قبل ذلك أنه في الأمن الوطني في شبرا الخيمة، كما أن حقوق الإنسان في وزارة الداخلية لم يتعاونوا معي حتى الآن؟

 

إن النظام الذي يقبض على صحفي مثل محمد البطاوي، شهد له الجميع، بحسن الخلق، والانضباط المهني والسلوكي، والرقي، والانحياز للسلمية في أكثر الأوقات التي يمارس فيها النظام العنف، والسحل، والاعتقال، بل والقتل بحق الثوار عامة، والصحفيين بوجه خاص، هو نظام يبعث برسائل واضحة إلى أنصار السلمية، والحفاظ على البلاد من شر حرب أهلية لا يعلم مداها إلا الله أنكم على خطأ.

 

النظام الذي يختطف البطاوي هو نظام يقول للجميع أنه يريدها حربا، عنفا، وقتلا، ودمارا، هذه هي بيئة وجوده واستمراره، نظام فقد كل شرعية للتواجد سوى ما أسماه محاربة الإرهاب، ونتيجة ابتذاله للحجة وسخافة استمرارها، صار لزاما أن يجد لنفسه مبررا آخر للوجود، كل المحاولات فشلت، لا أمن، ولا استقرار، ولا أي نجاح على أي مستوى، اقتصادي او سياسي، او اجتماعي..

 

الآن يختطف النظام أولاد الناس، ينتقي بعناية، ويلفق التهم، ويسكب مزيدا من البنزين على النار في القلوب العقول، ويبطل كل حجة لأنصار السلمية على زملائهم ليضطر الجميع غلى العنف، فيهنأ بتجدد شرعية وجوده واستمراره جاثما على صدور المصريين، وناهبا لأموالهم وثرواتهم، ومبددا لآمالهم في أي حياة .. يريد السيسي أن يأوي إلى جبل العنف ليعصمه، سيأتي الطوفان بما لم يشته ابن نوح الغبي، هذا وعد ..

 

للتواصل مع الكاتب عبر فيس بوك..

https://www.facebook.com/mohamed.t.radwan

 

اعلان

اهم الاخبار