مشاهد من أربيل

مشاهد من أربيل

ممدوح الولي

ممدوح الولي

20 أكتوبر 2017

 

في أغسطس 2008 سافرت للعراق مع زميل صحفى مصرى لتدريس الصحافة الاقتصادية بدورتين تدريبيتين، ولما كان مكان انعقاد التدريب في أربيل شمال العراق، فقد أحسست منذ الهبوط بمطار أربيل أننى في مكان منفصل عن العراق تماما، حيث صور البرازانى تزين الجدران ومن اللغة المتداولة وملابس البشمركة والتعامل بالدولار وغير ذلك.

 

وتبين أن الجيل الجديد يتعلم الكردية والإنجليزية كلغة ثانية وبالتالى لا يعرف العربية، وأذكر أننى عندما أردت زيارة سوق المدينة مساء أحد الأيام وجدت المحلات مغلقة، وعرفت أن هناك عادة قديمة أن يتناول رب كل أسرة العشاء مع أفراد أسرته ثم ينامون مبكرا، لكننى وجدت تذمرا من تلك العادات من قبل الشباب الذين يتجهون إلى المولات التي تسهر لساعات متأخرة من الليل.

 

وتظهر ملامح النظام العلمانى في الإقليم على نظم التعليم والثقافة ومضمون الفضائيات والملابس التي ترتديها الفتيات، مع كثرة سفر الشباب للعمل بالخارج ووجود جاليات كردية ضخمة بالعديد من البلدان الأوربية، وكذلك في إسرائيل والتى تربطها علاقات قوية وعسكرية بأربيل منذ عهد مصطفى البرازانى والد رئيس الإقليم الحالى مسعود برازانى.

 

وخلال الاحتكاك بالمتدربين بالدورة الصحفية القادمين من عدة محافظات عراقية، تبين لي وجود ثلاث محافظات هي: أربيل والسليمانية ودهوك والواقعة بشمال العراق، والتى يسكنها أكراد مستقلون عن سلطان حكومة بغداد، وأن بدايات ذلك الحكم الذاتى كانت منذ عام 1970 في إطار اتفاقية بين الأكراد وبين حكومة بغداد.

 

وتسبب وقوف الأكراد في صف إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980 – 1988 في قيام صدام بقصف حلبجة الكردية باليوم الأخير للحرب.

 

مقومات دولة مستقلة جاهزة

وعقب حرب الخليج الأولى وحظر الطيران فوق شمال العراق استفاد الأكراد من ذلك - والذين حظوا بحماية دولية - من إقامة مؤسساتهم الخاصة المستقلة عن حكومة بغداد، حيث شكلوا أول حكومة لإقليم كردستان عام 1992 كما أجروا انتخابات برلمانية خاصة بهم. وأصبح لهم الجيش الخاص بهم (البشمركة) والأمن الخاص بهم والجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية والغرف التجارية، وإنشاء الاقتصاد الخاص بهم والبنية التحية اللازمة له خاصة بمجال التعليم والصحة والنقل.

 

وتسبب الخلاف بين الحزبين الرئيسين بالإقليم، وهما الحزب الديموقراطى في أربيل عاصمة الإقليم بزعامة مسعود برازانى، وحزب الاتحاد الوطنى بمحافظة السلمانية بزعامة جلال طالبانى، رئيس العراق فيما بعد والذى توفي مؤخرا، ليتحول إلى اقتتال عام 1994 استمر حوالى أربع سنوات، حتى تم الاتفاق على توحيد حكومتى السليمانية وأربيل بوساطة أمريكية.

 

وفي عام 2007 بدأ استخراج النفط من أراضى كردستان والذى بدأ تصديره في يونيو 2009، عبر خط أنابيب ينتهى بميناء جيهان التركى على البحر المتوسط، حيث إن إقليم كردستان يعد إقليميا بريا تحيطه تركيا من الشمال وإيران من الشرق وسوريا من الغرب وحكومة بغداد من الجنوب. وساعد ظهور النفط في طلب زيادة حصة الإقليم من الموازنة العراقية من 13% حسب الدستور العراقي إلى 17%، إلا أن بغداد طلبت أن يتم تقديم تلك الحصة مقابل قيامها بتصدير النفط الكردستانى لحسابها، لكن كردستان رأت إن إيرادات النفط الذي توسعت بتصديره تفوق الحصة من الموازنة، فصدرت النفط لحسابها، مما دفع حكومة بغداد لقطع حصة كردستان من الموازنة العراقية في فبراير 2014.

 

عجز ضخم بالموازنة الكردية

وكان عام 2014 عاما ثقيلا على أكراد العراق، حيث ظهرت الدولة الإسلامية خلاله واحتلت الموصل، واقتربت من حدود كردستان مما زاد من أعباء الدفاع عن حدودها، كذلك كان تراجع أسعار البترول سلعة التصدير الوحيدة لكردستان منذ منتصف 2014، بينما هناك 1.4 مليون موظف كردى يحتاجون إلى أجور بخلاف المتقاعدين.

 

وزاد الأمر صعوبة بقدوم أكثر من مليون لاجىء ونازح للمحافظات الكردية فرارا من الدولة الإسلامية، إلى جانب الفساد الإدارى الذي تسبب في هدر جانب من الموارد، ليصل لعجز بموازنة كردستان خلال العام 6.5 مليار دولار، مما دفعها للاقتراض من شركات البترول الدولية التي تعمل بها مقابل حصولها على النفط، كما تلقت معونات من تركيا وإيران ودول غربية.

 

وفي أغسطس 2015 انتهت فترة الولاية الثانية لمسعود برازانى حاكم الإقليم، لكنه استمر في منصبه وقام بمنع رئيس البرلمان والمعارض لاستمراره رئيسا والمنتمى لمدينة السلمانية من دخول أربيل.

 

وساعد خطر الدولة الإسلامية على تقبل استمرار البرازانى، حيث ساهمت قوات الأكراد في استعادة مدينة كوبانى من الدولة الاسلامية، واحتلت المناطق التي فر منها الجيش العراقي وأبرزها مدينة كركوك الغنية بالنفط وحاقان وغيرها، كما ساهمت مؤخرا بتحرير الموصل.

 

وتصور برازانى أن الوقت مناسب لتحقيق الحلم التاريخى للأكراد بتكوين دولة خاصة بهم، حيث ظل الأكراد يعيشون معا في كنف الدولة العثمانية، إلا أن تداعيات ما بعد الحرب العالمية وتقسيم انجلترا وفرنسا أراضى الدولة العثمانية، جعل الأكراد يتوزعون على أربع دول هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا.

 

ومن هنا فإن الحكم الذاتى لكردستان وفترة الاستقرار التي نعموا بها من 1992 وحتى 2017، قد مكنتهم من بناء مقومات دولة المستقبل، من إقامة بنية أساسية وشركات صناعية وخدمية وسياحية ومطارين بأربيل والسلمانية، وعلاقات دبلوماسية مع كثير من دول العالم، حتى إن هناك أكثر من 30 قنصلية لدول أجنبية وعربية في أربيل، بل أن هناك دولا لها قنصلية في اربيل وأخرى في السليمانية مثل إيران.

 

استقطاب الأكراد مهمة عربية

ولهذا دعا البرازانى لاستفتاء 25 سبتمبر الماضى للانفصال عن بغداد، معتمدا على حاجة الغرب والعراق له للقضاء على بقايا الدولة الإسلامية، ومستندا إلى العلاقات التجارية التي تربط الإقليم بكلا من تركيا وإيران والعراق، فالتجارة مع تركيا تصل لحوالى 9 مليار دولار سنويا، بخلاف مئات الشركات التركية التي لها استثمارات بكردستان، ووجود حوالى 30 ألف تركى يعملون بالشركات التركية بكردستان وبشركات أخرى بها.

 

كما أن جانبا من التجارة القادمة من تركيا عبر الحدود الكردستانية تتجه لبغداد، وعلى الجانب الآخر وبالإضافة للحدود التي تربط كردستان مع إيران والتى ترسل لها البترول الخام وتحصل منها على المشتقات، فإن ثلث التجارة القادمة من إيران للعراق بالجنوب تتجه لكردستان. وكذلك مصالح شركات البترول الدولية في كردستان، التي كانت تتجه لزيادة إنتاجها من 650 ألف برميل يومى، متضمنة المناطق التي احتلها بعد فرار العراقيين منها، إلى مليون برميل يوميا عام 2020.

 

لكن إصرار بارازانى على إجراء الاستفتاء جلب له المتاعب، حيث عطلت بغداد الطيران من وإلى الإقليم، ومنعت تركيا التعامل الجوى معها، وبحثت تركيا مع بغداد تشغيل معبر حدودى بينهما لا يمر بكردستان، وأغلقت إيران حدودها البرية معها وساعدت قوات الحشد الشعبى العراقية على اقتحام كركوك، والتى انسحبت منها القوات الكردية وهو ما كررته بمناطق أخرى كانت قد احتلتها بعد فرار العراقيين منها عقب سقوط الموصل.

 

وهكذا خسرت أربيل بترول تلك المناطق وخاصة كركوك، وأصبحت محاصرة ومهددة بإغلاق الحدود البرية التركية، وكذلك بتوقف صادرات البترول عبر المنفذ التركى الوحيد، وانخفاض كميات النفط المتاحة للتصدير حاليا، مما دعاها لقبول عرض رئيس الوزراء العراقي بالتفاوض. لكن يظل الحلم الكردى بإقامة دولة مستقلة باقيا، مع تأييد دول الغرب المستتر لها، والمطامع الإسرائيلية لإيجاد نقطة ارتكاز لها بكردستان على حدود كلا من تركيا وإيران وشمال العراق.

 

لهذا يجب أن يكون للدول العربية دورا في استقطاب الأكراد، من خلال العلاقات التجارية والاستثمارية والتشغيل خاصة مع ارتفاع نسب البطالة بها حاليا، وليت الجامعة العربية تساهم في ذلك، لتفويت الفرصة على إسرائيل والدول الغربية، والتخفيف من مشاعر الغضب الكامنة في نفوس كثير من الأكراد تجاه العراقيين والعرب.

 

اعلان

اهم الاخبار