ذكريات كروية

ذكريات كروية

ممدوح الولي

ممدوح الولي

10 أكتوبر 2017

 

عادة ما تستفيد النظم السياسية خاصة الديكتاتورية من الألعاب الرياضية في اكتساب الشعبية، فعل ذلك موسولينى في إيطاليا حينما استغل استضافة بلاده لكأس العالم عام 1934 في الدعاية لنظامه الفاشى، وكرره هتلر ذلك مع إقامة أولمبياد برلين 1936.

 

كما استغل الاتحاد السوفيتى مشاركته بدورة هلسنكى الأوليمبية عام 1952، حيث اعتبر حصوله على المركز الثانى انتصارا للنظام الاشتراكى والثقافة السوفيتية.

 

بينما كان هناك توظيفا إيجابيا للرياضة عندما استضافت الصين الفريق الأمريكى لتنس الطاولة، لأداء عدة مباريات بالصين عام 1971 لإذابة الجليد بين البلدين بعد قطيعة استمرت 22 عاما بينهما، وتمهيدا لزيارة للرئيس الأمريكى نيكسون.

 

ومثل ذلك كان هدف مباراة في الإسكواش بين الهند وباكستان، في حين تسببت مباراة بكرة القدم بتصفيات كأس العالم عام 2010 بين مصر والجزائر في توتر العلاقات بين شعبى البلدين.

 

وحرص زعماء بلدان عديدة على الظهور وهو يمارسون أنواعا من الرياضات كدليل على الحيوية واللياقة البدنية العالية، مثل الرئيس الروسى بوتن في الجودو، والرئيس الفرنسى السابق ساركوزى بركوب الدراجات ومثله للجنرال المصري، وأحمدى نجادى في إيران والرئيس البوليفى موراليس لكرة القدم.

 

وكان ماوتس تونج يمارس السباحة في المياه الباردة، ويرتبط بذلك بما حدث بالانتخابات الرئاسية الأمريكية بالثمانينات، حين خاطب المرشح مانديل الأمريكيين قائلا أن منافسه ريجان البالغ من العمر وقتها 69 عاما رجل عجوز لا يقوى على قيادة المجتمع ولا يتمتع بلياقة بدنية. مما دفع ريجان للتصوير وهو يمارس الرياضة مما ساعده على الفوز، ولقد تكرر الأمر بالانتخابات الرئاسية التونسية الأخيرة، عندما قال المرشح عمر صحابو نفس الشىء عن الرئيس الباجى قايد السبسى.

 

ضابط بالابتدائية بسبب الكرة

وكانت ممارسة الرياضة سببا في تقلد مناصب وزارية وبرلمانية بالعديد من الدول، وممن تقلدوا منصب وزير الرياضة في بلادهم لاعب الكره بيليه بالبرازيل، ولاعب كرة القدم التونسى طارق دياب، ولاعب الكرة المصري طاهر أبو زيد، والعداءة المغربية نوال المتوكل.

 

وخلال الفترة الناصرية بمصر توسع النظام الحاكم في استغلال كرة القدم، حتى تحول نادي الأهلى والزمالك لأكبر حزبين مصريين، كبديل عن حل الأحزاب السياسية.

 

ووصل الأمر لتولى المشير عبد الحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة، رئاسة اتحاد كرة القدم لعدة سنوات امتدت من عام 1958 حتى يونيو 1967، وعين الفريق أول عبد المحسن مرتجى الذي كان قائدا للقوات المصرية باليمن، ثم قائدا للقوات البرية، رئيسا للنادى الأهلى خلال فترة خدمته بالجيش عام 1965 واستمرت تلك الرئاسة للأهلى وحتى ما بعد هزيمة يونيو.

 

وخلال تلك الفترة ألحق المشير عامر نحو ثلاثين لاعبا لكرة القدم بالجيش، وحصلوا على رتب عسكرية ما بين رتبة الملازم أول والنقيب، ومن هؤلاء: رفعت الفناجيلى رغم عدم حصوله سوى على الابتدائية، وطارق سليم والشاذلى ومصطفى رياض وصالح سليم وعبده نصحى وسمير قطب، وخورشيد ويكن حسين وعصام بهيج وحنفى بسطان والطظوى.

 

كما قام بتعيين لاعبين آخرين بشركات وجهات حكومية مثل المقاولين العرب ومصر للطيران، وظهرت شخصيات عسكرية عديدة على الساحة الرياضية، مثل المعلق الرياضى اللواء على زيوار، والمعلق الرياضى العميد حسين مدكور والحكم العميد على قنديل.

 

ولإدراك المصريين بالصلة الوثيقة بين الهزيمة واستغراق عددا من القيادات العسكرية بالأنشطة الرياضية، حيث رأس العديد من أعضاء مجلس قيادة الثورة اتحادات لعبات رياضية، فقد توقفت بطولتى الدورى العام والكاس لكرة القدم لمدة أربع سنوات بعد هزيمة يونيو 1967.

 

لا صوت يعلو فوق صوت المنتخب

وكان التركيز على مشاهدة الجمهور للمباريات وليس ممارسة الرياضة، كوسيلة للتنفيس عن الهموم والمتاعب، من خلال الجدال حول تفاصيل المباريات سواء قبلها وبعدها، وأصبح العاملين بالإعلام الرياضى وقتها أشهر من كبار المسؤولين.

 

واستفاد مبارك من كرة القدم في التواصل مع المصريين بحضور عدة مباريات، كما حصل المنتخب على عدة بطولات في عهده، ومثله فعل نجلاه جمال وعلاء اللذان حضرا المباريات وشاركا في دورات كرة قدم خماسية.

 

ومع أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 شارك عدد غفير من شباب الألتراس في الفاعليات خاصة بميدان التحرير، كما كان لهؤلاء موقفهم الرافض بعد مذبحة استاد بورسعيد التي راح ضحيتها نحو 75 شخصا وجرح 200، مما دفع النظام الحاكم لاتخاذ موقف ضدهم إلى حد اتهامهم بالإرهاب.

 

ووظفت حكومة شريف اسماعيل توقيتات المباريات المهمة، كتوقيت ممتاز لتمرير القرارات الجماهيرية المؤلمة مثل رفع أسعار الوقود ثم رفع أسعار السلع التموينية، كما جاء توظيف النظام المصري لنتائج الفريق المصري في مباريات كأس الأمم الإفريقية بالجابون في نفس السياق، لاكتساب شعبية والربط بين الجنرال وبين ما تحقق من فوز للمنتخب القومى.

 

ومن ناحية أخرى لشغل الناس لبعض الوقت عما يلاقونه من متاعب نتيجة ارتفاع الأسعار ونقص الأدوية وارتفاع ثمنها، وزيادة معدلات الفقر بعد تعويم الجنيه، واستمرار معدلات البطالة والتخلى عن جزيرتى تيران وصنافير وسد النهضة، وأداء البرلمان وغيرها.

 

وها نحن نكرر المشهد حاليا حيث توسعت وسائل الإعلام في إفراد الصفحات والمساحات الزمنية للفريق القومى ومدربوه ولاعبوه وأقارب اللاعبين من زوجات وأمهات وجيران وأهالى، حتى تحول الأمر إلى القضية الأولى لدى المجتمع، رغم التحضير لاستبعاد الكثيرين من البطاقات التموينية خلال الأشهر القادمة، والتجهيز لزيادة أخرى بالوقود مع بداية العام المالى المقبل في يوليو القادم.

 

ويتم الإغداق على اللاعبين بالمكافآت التي لم يحصل عليها أى من العلماء، ولم تصل إلى قيمتها جوائز الدولة التقديرية، رغم العجز الضخم بالموازنة والاستمرار في زيادة الدين المحلى والخارجى، وتضاؤل المعونات الخارجية والخليجية، ورغم الدعوة للتبرع لصندوق تحيا "صبح على مصر بجنيه" والدعوة للتنازل عن الفكة خلال التعامل مع الجهات الرسمية، ليزيح الاهتمام بفوز المنتخب القومى ما عداه من قضايا مهما كانت درجة أهميتها، ليهنأ النظام بفترة إلهاء مجتمعى إلى ما بعد انتخابات الرئاسة.

 

اعلان

اهم الاخبار