الأموال الساخنة والرهان على الأجانب

الأموال الساخنة والرهان على الأجانب

ممدوح الولي

ممدوح الولي

17 فبراير 2017


الأموال الساخنة شبهها أستاذنا المرحوم الدكتور منير هندى بالعصفور الطائر، الذي يتنقل من غصن إلى غصن أى من بلد إلى بلد بحثا عن المكاسب السريعة، بحيث لا تستقر كثيرا في بلد معين، ولهذا فرضت بعض الدول ضرائبا على أرباحها، ترتفع نسبتها كلما قصرت مدة مكوثها وتنخفض كلما طالت مدتها نسبيا. 


وهي الأموال التي زادت من المعاناة الاقتصادية بدول جنوب شرق آسيا عندما خرجت فجأة مع ظهور الأزمة الآسيوية عام 1997، كما خرجت بسرعة من دول منها روسيا والهند وكوريا الجنوبية ودبى عام 2008 مع الأزمة المالية العالمية، مما تسبب في تراجع حاد بأسواقها المالية، وخرجت من مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011. 


وعندما يتباهى محافظ البنك المركزي بتخطى استثمارات الأجانب في أذون الخزانة المصرية المليار دولار خلال الشهور الثلاثة التالية على تعويم الجنيه، رغم أنه كان يراهن على وصولها لعشر مليارات من الدولارات، فإن الأمر يحتاج بعض التبيان. 


ففي شهر يناير من العام الحالى كانت الفائدة قصيرة الأجل في نحو 17 بلدا أوربيا من دول اليورو قد بلغت سالب 0.3%، وهي بلدان: فرنسا وألمانيا وايطاليا وهولندا وأسبانيا وفنلندا والنمسا، وبلجيكا واستونيا واليونان وأيرلندا وليتوانيا، ولاتفيا ولكسمبورج وسلوفاكيا والبرتغال وسلوفينيا، كما بلغت الفائدة في سويسرا سالب 0.73% وفي السويد سالب 0.77%.


فعندما يجد بعض المستثمرين في تلك الدول بلدا مثل مصر، تعطى فائدة على أذون الخزانة قصيرة الأجل تصل إلى حوالى 20%، مع وجود نظام للتحوط يضمن الخروج بنفس سعر الصرف الذي دخل به المستثمر، فمن الطبيعى أن يكون هناك إقبالا على شراء الأذون المصرية، ولولا حالة عدم الاستقرار السياسى والأمنى لزاد الإقبال بدرجة كبيرة للاستفادة من تلك الفوائد المرتفعة. 


ويدعم هذا الإقبال أن الفائدة قصيرة الأجل كانت أقل من نسبة الواحد بالمائة في غالبية البلدان في شهر يناير الماضى، حيث بلغت 0.6% باليابان أى بنسبة ستة في العشرة آلاف، و0.13% باسرائيل، و0.23% بالمجر و0.28% بالتشيك و0.35% بانجلترا، و0.87% بكندا و0.9% بالولايات المتحدة. كذلك انخفضت الفائدة قصيرة الأجل عن نسبة 2% بكلا من أستراليا وبولندا وكوريا الجنوبية والنرويج ونيوزيلندا. 


انخفاض الدولار يزيد مكاسب الأجانب 
ولعل توضيح المكاسب التي يحصل عليها الأجانب من شراء الأذون المصرية خير دليل، صحيح أن نسبة الفائدة البالغة 20% عليها ضرائب 20%، إذا يتبقى للمستثمر نسبة 16%، فلو تصورنا مستثمرا أجنبيا قام في نوفمبر الماضى بشراء أذون خزانة بمبلغ مائة مليون دولار، عندما كان سعر الصرف للدولار ب 19 جنيه، فإنه سيشترى أذون بنحو 1.9مليار جنيه ليحقق معها عند معدل فائدة 16% ربح بنحو 304 مليون جنيه خلال عام. 


وهو ما يعنى أنه سيسترد مبلغ ال 1.9 مليار جنيه، بالإضافة إلى 304 جنيه أى سيحصل على 2.204 مليار جنيه، فلو كان سعر صرف الدولار وقت خروجه من السوق 16.5جنيه، فإن تحويل هذا المبلغ من جنيهات إلى دولارات، يعنى حصوله على 133.6 مليون دولار، أى أنه حقق عائدا من الفائدة ومن تراجع سعر صرف الدولار معا بنسبة 33.6%!


وبالطبع لو انخفض سعر الصرف عن 16.5جنيه، كما حدث ببعض البنوك التي انخفض السعر فيها الخميس الماضى عن 16 جنيه ستكون نسبة أرباحه أعلى من ذلك.
قد يقول البعض أن الفائدة على أذون الخزانة قد انخفضت عن نسبة 20% مؤخرا إلى 17%، وإن كانت قد عادت الخميس الماضى مرة أخرى إلى حوالى 19%، لكن حتى مع سعر فائدة 17% وبعد خصم نسبة الضرائب البالغة 20%، ستكون الفائدة الصافية له 13.6%، وهي نسبة مازالت كبيرة بالمقارنة لأسعار الفائدة في الأسواق الأوربية والآسيوية والأمريكية، فإذا أضيف لها كذلك فرق انخفاض سعر صرف الدولار أمام الجنيه، لكان معدل الفائدة التي يحصل عليها أعلى. 


وهذه الفوائد العالية هي فلوس تخرج من مصر بفوائدها بالدولار، مما يعنى نزح المزيد من الدولارات للخارج، وهي ما سينعكس على الحصيلة الدولارية المحلية، وكذلك على زيادة أعباء الفوائد بالموازنة العامة والتى كانت تقديرتها تصل إلى حوالى 300 مليار جنيه قبل رفع الفائدة في نوفمبر الماضى، وبالطبع ستزيد قيمتها، ودفع تلك الفوائد يأتى على حساب الإنفاق الحكومى على الأجور والدعم والاستثمارات الحكومية. 


أرباح الأموال الساخنة بالبورصة بلا ضرائب 
مجال آخر تدخله الأموال الساخنة بمصر وهو الاستثمار بالأسهم بالبورصة المصرية، حيث أشارت بيانات البورصة إلى أن صافى الشراء للأجانب والعرب خلال العام الماضى، كان قد بلغ 7.86 مليار جنيه، وهو ما يعادل 430 مليون دولار بسعر الصرف بنهاية العام، فلنا أن نتخيل كم الدولارات الخارجة من مصر عندما تخرج تلك الأموال محملة بأرباحها، التي زادت عن نسبة الخمسين بالمائة بعد التعويم، والتى لا تدفع عنها أية ضرائب. 


ويظل السؤال وماذا تستفيد مصر من تلك الأموال الساخنة؟ والإجابة أنها تزيد السيولة بالبورصة، وتزيد من رصيد الدولارات لدى البنك المركزي، لكن مخاطرها لا تقتصر على الأرباح العالية التي تحققها.


ولكن أيضا وهو الأخطر حالة الإضطراب المالى الناجم عن خروجها فجاة عند حدوث أية مشكلة كبيرة سياسية أو اجتماعية، مما يزيد الضغط على سعر الصرف للجنيه الذي سيتراجع بشدة أمام الدولار وقتها، وكذلك تراجع أسعار الأسهم بالبورصة بشدة. 


وهكذا فإن التعويل على الأجانب لزيادة السيولة الدولارية من خلال الأموال الساخنة، واصطناع سعر صرف غير حقيقى كما حدث خلال الأسبوع الأخير، له ثمن باهظ، ويتطلب الأمر التعويل على العوامل الداخلية كالتصدير والاستثمار المباشر، كموارد دولارية تعود منافعها على المصريين. وعلى عملية التشغيل سواء بالحفاظ على العمالة بالمنشآت القائمة، أو إضافة عمالة جديدة، وتتجه أرباحها للداخل، إلى جانب إنتاج المزيد من السلع والخدمات التي تساهم في استقرار الأسعار محليا، بينما الأموال الساخنة لا تضيف إنتاجا أو فرصا للعمل.

 

اعلان