تدبر القرآن في رمضان.. وطرائف من عدم الفهم

تدبر القرآن في رمضان.. وطرائف من عدم الفهم

سمير حشيش

سمير حشيش

18 مايو 2017

 

(1)

تداعب أنوفنا نسمات شهر كريم، وما هي إلا أيام حتى تبلغنا رياحه الطيبة فتحيط بنا، ولكنه أيضا سرعان ما ينقضي.

 

بيد أن شهر القرآن ينبغي للعاقل أن لا يفلته من بين يديه دون أن يحقق أقصى فائدة ممكنة.

 

والفوائد التي يمكن للمسلم تحقيقها كثيرة متعددة، على رأسها بالطبع احتساب الصيام مع الإيمان بفرضيته، وهو الفرض العَلَم في هذا الشهر الفضيل، فإن نبينا الكريم محمدا صلوات الله عليه يقول "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

 

وهناك عبادة الصلاة المفروضة والمحافظة عليها، وعبادة ذكر  الله تعالى، وعبادة التفكر في خلق السماوات والأرض، ولعلي أفرد لكل ذلك حديثا آخر إن شاء الله.

 

(2)

إلا أنني الآن ألقي الضوء على العبادة الأشهر في هذا الشهر وهي قراءة القرآن.

 

فجرت عادة الناس في رمضان أن يحمل الجميع مصاحفهم تالين كلام ربهم في البيوت وفي المواصلات وفي الشوارع، وهي عادة طيبة أسأل الله أن يمتع بها كل مسلم، وإن كان كمالها أن يكون المصحف رفيقنا العام كله.

 

(3)

ومما يلاحظه المرء في قراءة بعض المسلمين للقرآن أنه أحيانا يثقل عليهم بسبب عدم إلمامهم باللغة العربية الفصيحة واعتماد المجتمع في الحديث على اللهجات المحلية العامية، وهو ما يوجد حاجزا بين المسلم وبين تدبر القرآن.

 

وأرى أن من الوسائل المفيدة في ذلك أن يحمل المسلم –خاصة غير المتقن للغة العربية الفصحى– مصحفا مصحوبا بتفسير مبسط حتى يقف على معاني الآيات التي تحول اللغةالفصحى بينه وبين فهمها.

ومن ذلك مثلا المصحف الذي طبعته مشيخة الأزهر، وهو يسلم للدارسين بالأزهر في المراحل الأساسية، فإذا لم يتيسر هذا فعلى الأقل من الممكن الاستعاضة بطبعة مصحوبة بمعاني المفردات، وأظن أن هذه متوفرة والحصول عليها سهل لمن أراد.

 

ومن الوسائل المعينة على التدبر أيضا –حتى لمتقني اللغة– القراءة في أسباب النزول، والقراءة في الكتب المهتمة ببلاغة القرآن، ومعرفة التفسير العام للآيات.

 

وكذلك من الوسائل المعينة على التدبر قراءة القرآن بالترتيل والاهتمام بأحكام التجويد، وعدم الاهتمام بالكم على حساب الكيف، فلا يكن همك كم مرة تختم المصحف، بل ليكن الهم ماذا استفدت من قراءتك القرآن.

 

(4)

بالطبع مثل هذه الوسائل تجنبنا بنسبة كبيرة الوقوع في زلل عدم الفهم الناتج عن تركنا الفصحى، كما تجنبنا الفهم الخاطئ الذي لا يطابق واقع الحال.

 

ومع أن كل قصور في اللغة الفصحى يؤدي لفهم غير مستقيم، فإنه أحيانا يكون مثارا للعجب والتندر، حيث ترى من هؤلاء الناس الذين لا يحسنون الفصحى –ويحاولون فهم القرآن– نوادر وعجائب في الفهم ربما تدخلك في هستيريا من الضحك من هذه المعاني التي يتصورونها، وهي بالطبع غير صحيحة.

 

(5)

أحدهم كان يحفظ القرآن على يدي، فقرأ من سورة يوسف قول الله تعالى "فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا مُنعَ منا الكيلُ فأرسل معنا أخانا نكتلْ وإنا له لحافظون"، و"نكتلْ" فعل مضارع مجزوم بالسكون لوقوعه في جواب الأمر "فأرسل".

 

لكن صاحبنا قرأها بفتح اللام من كلمة "نكتلْ" هكذا نكتلَ، فقلت له مصححا "نكتلْ" يا أخي بتسكين اللام، فقال متعجبا: كيف تسكن اللام وهي مفعول به؟ فقلت مستغربا كيف يكون الفعل مفعولا به؟ فقال: هم يطلبون من أبيهم أن يرسل معاهم أخاهم نكتلَ، مش برضه أخوهم ده اسمه نكتل ياشيخ؟.

 

فضحكت كما لم أضحك من قبل، وقلت له يا أخي لقد أتيت بعجيبة لم يسبقك إليها أحد من العالمين.

 

(6)

كنت وأنا صغير أحفظ من سورة النحل، فجئت عند قول الله تعالى "وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون".

 

فقلت لأبي -وكان محفظي- إن كانوا عازمين على قتل بناتهم دون رجوع فلماذا لا يكتفون بالدفن في التراب يا أبي، لماذا يفرمونهن في الهون، ما هذه القسوة في قلوبهم؟! (والهون يعرفه الفلاحون، وهو وعاء من النحاس السميك كان يستخدم لفرم اللحم).

 

فضحك أبي وقال: يابني الهون ده غير الهون بتاع أمك.

 

معنى يمسكه "على هون" أي يبقى الرجل ابنته فلا يقتلها كما يفعل الناس، ويتحمل الهوان والتعيير من أهل بلده لأنه أبقى على حياة البنت خلافا لعاداتهم في تلك الجاهلية.

 

أسأل الله تعالى أن يفهمنا القرآن الكريم وأن يجعلنا من المؤمنين المهتدين به العاملين بأحكامه.

 

اعلان

اهم الاخبار