روشتة علاج لأمراض الأمة.. من وحي تغيير القبلة

روشتة علاج لأمراض الأمة.. من وحي تغيير القبلة

سمير حشيش

سمير حشيش

12 مايو 2017

(1)

تشريع تغيير القبلة، والذي يرجح البعض أنه كان في النصف من شعبان، هو في نظري من المحطات الأساسية في تاريخ الإسلام، لا يقل أهمية عن حدث فرض الصلاة، بل لا أبالغ لو قلت إنه يكاد يلامس في الأهمية حدث البعثة نفسه.

 

فتغيير القبلة حدث جلل، إذ إنه كان الإعلان الأبلغ والأوضح في استقلالية شخصية هذه الأمة عن غيرها من الأمم.

 

ومع أن الرسول والقرآن جاءا مصدقين لما بين يديهما من الرسل والكتب السابقة -فدين الله تعالى واحد- فإن حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تميز الشخصية الإسلامية كان واضحا جليا لكل عاقل.

 

وخطاب القرآن التكليفي بالتوجه لبيت الله الحرام يبين بجلاء هذه الحقيقة، فالله تعالى يقول "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام..." ويقول أيضا بعدها بآيات "وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم".

 

(2)

ظاهر في الآيات [من آية 142 وحتى آية 150 من سورة البقرة] رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تحول قبلته من المسجد الأقصى إلى البيت الحرام.

 

وظاهر أيضا علة التشريع وهي إبطال حجة اليهود في قولهم للمسلمين آنذاك: لو كان ديننا باطلا لما اتبع رسولكم قبلتنا.

 

ومع أن لله تعالى المشرقَ والمغربَ فأينما تولوا فثم وجه الله، ومع أن له سبحانه الخلقَ والأمرَ فلا يسأل عما يفعل، فإنه سبحانه يعلل التشريع بأمرين هما في غاية الأهمية:

الأول: إرضاء حبيبه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

الثاني: إبطال حجة اليهود على المسلمين.

 

من هنا يتبين بلا ريب أهمية الاتباع الظاهر لطائفة ما، وما له من أثر في تكوين الشخصية وفي تفاعلاتها.

 

(3)

إن الشخصية التابعة لا تبني، بل ربما لا تفكر، وإن الاستقلال هو أول شروط التميز وأول طريق النجاح.

 

وإن الواقع يؤكد هذا وينطق به، على مستوى الأفراد وعلى مستوى الأمم.

 

فأمة تدرس علومها بلغة غيرها أنى لها أن تكتشف أو أن تبدع، أمة تستورد سلاحها من غيرها أنى لها أن تنتصر في حرب ضد هذا الغير، أمة تستنسخ تجارب مجتمعية من غيرها أنى لها أن تنضج.

 

هي دعوة إلى أن نساعد نابغينا على الإبداع بتيسير العلوم باللغة الأصلية، مع مراعاة الاصطلاحات العالمية.

 

هي دعوة إلى أن نتوجه للتسلح الذاتي، حتى لا نكون ذيلا لغيرنا، ولا نكون شرطي حراسة لمصالحه.

 

هي دعوة إلى أن نصلح مشكلات مجتمعنا بدافع من ديننا.

 

(4)

مثلا، لماذا لا نقاوم ظاهرة التحرش بنشر  تعاليم الإسلام بهذا الشأن، عفة الفتاة وحشمتها، وعفة الفتيان بغض البصر  والتنشئة على الطاعات ومكارم الأخلاق؟.

 

فحين نصر على أن للفتاة أن تتعرى كما تشاء، وأن تنشئة الفتى على الدين فتنة طائفية وإرهاب، فهل يجدي في علاج مشكلاتنا إنشاء مركز لمقاومة التحرش أو صفحة على الفيس نسميها "امسك متحرش".. إن هذا هراء.

 

(5)

إن مبدأ انبناء التشريع -في مواقف كثيرة- على استقلال الشخصية الإسلامية واضح لكل من قرأ في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ولو قليلا.

 

ومن أمثلته صوم الرسول صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء، ثم عزمه فيما بعد أن يصوم مع عاشوراء تاسوعاء مخالفة لليهود.
 

ومن أمثلته أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحى وحف الشوارب مخالفة لليهود الذين كانوا عندئذ يفعلون العكس.

 

(6)

وإنه لمما ينغي لكل ساع في إصلاح شأن هذه الأمة أن يربي نفسه أولا على التحرر من التبعية العمياء للغرب والشرق، فلا استنساخ للتجارب بل انتقاء بوعي وإدراك.

 

وإلا فالنتيجة: مجموع أمة لا وجهة له، فما بين تنصل من ديننا بل اتهام له وتحميله مسؤولية كل شر، وبين تبعية لأمم افتتنا بمظهرهم، يحار جيل ناشئ لا يدري أين يولي وجهه، فينشأ -مسخا- لا هو معتز بدينه مستمسك به ولا هو يحيى حياة الغرب.

 

"فاعتبروا يا أولي الأبصار".

 

اعلان

اهم الاخبار