مقال لغير المتدينين

مقال لغير المتدينين

سمير حشيش

سمير حشيش

04 مايو 2017

 

(1)

جمعني بها جلسة عمل، وفي أثناء الحديث حول أمر ما، وفي لحظة من التجرد من أي اعتبار، قالت:

"أنا أحب القراءة في السيكولوجي، والأبحاث الغربية بالتحديد فأنا لا أثق في إنتاجنا العربي، ومن خلال ذلك لاحظت أن الرجل الغربي حين تتعدد علاقاته النسائية فإنه يزهد في زوجته بشكل كبير جدا، ويراها عندئذ مجرد شيء من الأشياء، كأي شيء يستطيع التمتع به وقتما يشاء وتركه وقتما يشاء، فهي عنده ليست سوى جسد، للمتعة فقط".

 

فقلت: هل أفهم من هذا أن الرجل إذا كان مؤدبا غير متعدد العلاقات النسائية، بمعنى أنه متدين لحد ما، يكون أكثر احتراما للمرأة؟.

 

فقالت –بعد أن أدركت غرض سؤالي (وهو أن أقرر أثر الدين في تحسين سلوكياتنا وتحسين تصوراتنا وتأكيد احترام الدين للمرأة كإنسان): لا  لا، نحن في مصر اخترعنا دينا جديدا أصلا، ليس هو الدين الصحيح.

 

(2)

ولاحظت في الإجابة السريعة التي جاءت بعد تفكير لا يتعدى الثانيتين، لكنه أخرجها من حالة التجرد التي كانت فيها، أنها لا تريد أن تُقرَّ لي بغرضي من السؤال، فهي متبرجة، وربما يدفعها إقرارها إلى صراع نفسي بين ما أقرته وبين ما تعيشه واقعيا من حالة التفلت من بعض أحكام الدين كالحجاب.

 

ووقعت الإجابة –كما ترى معي– مركبة من جزأين، الجزء الأول: نفي مضمون السؤال، والجزء الثاني: تعليل هذا النفي.

 

ولا أحتاج إلى لفت النظر أن التعليل لا علاقة له بالنفي، أو على أقل تقدير غير كاف لترسيخ النفي.. وليس هذا محل نقاش بالنسبة لي لأني أرى أن كل إنسان حر فيما يعتقد ويقرر، حتى لو لم يعتمد على مقدمات صحيحة، ولم يقدم مبررات مقنعة.

 

(3)

لكن ما أود بالفعل فهمه هو: لماذا هذه الحساسية المفرطة من التدين؟

 

- هل غير المتدين يهمه أن يكون المتدينون غير مقنعين؟.. لأن ذلك يبرر له عدم تدينه، ويخلصه من عقدة الشعور بالذنب أو التقصير.

 

- هل غير المتدين متحامل على المتدينين ولا يرى إلا سوءاتهم ويركز على الجانب السلبي فقط؟.. لأنه يحب أن يبدو خيرا منهم.

 

- هل غير المتدين يخطئ بتعميم الخطأ من بعض المتدينين على جميعهم؟.. لأن ذلك يثبت أركانه في مواجهة من ينادون بتديين الحياة.

 

بالطبع لا أريد إجابات على هذه الأسئلة، ولكني أريد بقوة أن ألفت نظر غير المتدين إلى الخطر العظيم الذي يجره على نفسه بخطئه في منهجية التفكير.

 

فهي دعوة إلى التجرد في التفكير، وإعادة الحسابات مرة أخرى في نظرتنا إلى الدين والتدين بغض النظر عن المتدينين، الذين أقر بأن منهم منفرين.

 

(4)

فمن الأخطاء التي يقع فيها من لا يحب المتدينين أن يُفْرِطوا في ترك التدين، فترى أحدهم لا يصلي مثلا، وهو معتقد أنه بأدبه وعلاقاته الطيبة مع الناس خير من المصلين.

 

وترى آخر مفْرِطا في العلاقات الغرامية مفتونا بها، وهو معتقد أن قلبه أنظف وأطهر وأنقى من هؤلاء الذين يظهرون ورعا عن فعل ذلك، هو ورع كاذب في نظره.

 

وترى مفْرِطا في الخوض بغير علم في مسائل الدين، معتمدا على عقله المجرد الذي ينقصه الكثير من وسائل ضبط التفكير في أحكام الشريعة، أقلها إتقان اللغة العربية.

 

وربما بسبب ذلك يصل البعض لإنكار ثوابت الدين المستقرة، فيرى هو أن الصلاة مثلا حرية شخصية، وترى هي أن الحجاب حرية شخصية، يخلطون خلطا بين حرية الإسلام وحرية الأحكام.

 

(5)

إنني أدعوك الآن أن تنجو بنفسك، ولا تجعل غضبك على المتدينين يوقعك في التفريط في الدين، ولا تخلط بين صاحب الدين وعباده المتدينين.

 

فلا يحملك سخطك على عباده أن تترك عبادته، ولا يسوقك كرهك لتنطع بعضهم إلى إنكار الثوابت.

 

أخي الذي لا يصلي: لن ينفعك عند الله أن تقول له كان عبادك المصلون غير جيدين.

 

أختي التي تترك الحجاب: لن ينفعك عند الله أن تقولي كانت إماؤك المحجبات غير جيدات.

 

فالحذر الحذر من الخلط في التفكير، إلا أن تكون/تكوني صاحب/صاحبة هوى ورغبة في الانفلات من أي قيد حتى من القيود الإلهية، فعندئذ فاعلم/فاعلمي أنك تتخذ/تتخذين إلهك هواك، وتعبد/تعبدين نفسك من دون الله.

 

أدعوك للتحلي بالشجاعة الأدبية مع نفسك، فتالله إن الأمر جد، وإن بعد الموت حسابا، وإن المصير إلى أحد دارين لا ثالث لهما، إما إلى جنة وإما إلى نار.

 

أسأل الله أن يجعلنا جميعا من أهل جنته.

 

اعلان

اهم الاخبار