أصالة الرأي صانتني عن «البلاجياريزم»

أصالة الرأي صانتني عن «البلاجياريزم»

مدحت نافع

مدحت نافع

08 مارس 2018

 

افتتح الشاعر الكبير الطغرائري - أصفهانى المولد عربى النسب (حفيد أبى الأسود الدؤلى) - لاميته الشهيرة التي أطلق عليها "لامية العجم" في مقابلة مع لامية العرب للشنفرى، بقوله: أصالة الرأى صانتني عن الخطل .. وحلية الفضل زانتني لدى العَطَل.

 

عشقت تلك القصيدة منذ كنت صبياً، ورددتها خلف أبى مراراً، إذ أخذتنى منها معان وصور قل أن تجرى على لسان شعراء ذلك العصر، مطلع القرن السادس الهجرى. الشاعر الكيميائى الوزير إذ يزهو بنفسه ويعرف قدرها، يوارى بين أبيات قصيدته الغرّاء مرارة الظلم الذى تعرّض له حين يقول: وإن علانى من دونى فلا عجب.. لى أسوة فى انحطاط الشمس عن زحل .. ويقول: تقدّمتنى أناس كان شوطهم.. وراء خطوى إذ أمشى على مهل.. ولنخرج من القصيدة إلى مدلول "أصالة الرأى" لدى هذا العالم الأديب، وكيف أنه اتخذه مسوّغاً لنبوغه وتفوقه، وموطئاً لتقدّمه المستحق على نظرائه وكيف غبن هذا الحق فى كثير من المواقف. 

 

والرأى الأصيل يميز البحث العلمى عن كل منقول ومنتحل، وبدونه يتحول الباحث - فى أخف الأوصاف وقعاً - إلى مقلّد أو ناقل، فإذا لم يشر إلى مصدر نقله بأمانة ومصداقية أصبح هو والسارق سواءً. وسرقة الجهد البحثى، وثمرة العقل والفكر هى أشد أنواع السرقة إيذاءً وضرراً، إذ لا يقع أذاها على المسروق منه وحسب، بل يمتد ليصيب كل منتفع بهذا الفكر، حينما يرد الفضل فى إثماره إلى منتحل سارق، ثم يستطلع رأيه فى مسائل تخص البحث والأفكار فيصيب منها القليل التافه، ويضر بجهله فى موضع النفع بعلم صاحبنا المسروق منه. كذلك لا أحسب السارق بمفازة من عذاب الله الذى يناله إن هو وقع فيمن فضحتهم هذه الآية الكريمة: "لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ".

 

أتناول هذا الموضوع بمرارة كبيرة إذ كلّفت بتحكيم مسابقة بحثية هامة، فوقعت على عدد كبير من الأفكار المنتحلة بادئ الرأى عند تقديم مشروعات البحث، ثم انتخبت مما تبقى القليل الذى يصلح لخوض السباق. وبعد أسابيع التزم بعض أصحاب مشروعات البحث المختارة بموعد وشكل استيفاء الأوراق البحثية، وكانت الصدمة.

 

رغم إعلان لجنة التحكيم عن استبعاد كل الأبحاث المنتحلة، وأنها بصدد استخدام برامج متخصصة لكشف الانتحال البحثى أو الـ Plagiarism وذلك بعد خبرة سيئة فى عام سابق فاز فيه بحث منتحل بالكامل لولا تداركته اللجنة فى آخر وقت. رغم هذا انقسمت الأبحاث المقدّمة إلى نصفين: نصفها لا يوصف بالانتحال أو النسخ بالكامل من بحث منشور، لكنه أيضاً لا يوصف بالرأى الأصيل، إذ لا يقدّم أى جديد، وهو نص غير محكم ولا مترابط الأفكار. النصف الآخر من الأبحاث منتحلة "بتصرّف" من السارق. فهى منسوخة من مصدرين أو ثلاثة على الأكثر دون إشارة إلى تلك المصادر!.. البعض كان أكثر حرصاً فوضع المصادر التى نسخها نصاً فى قائمة المراجع بين عشرات المراجع الأخرى التى لا أثر لها فى بحثه! لكنه بالطبع لم يضع علامات التنصيص عند النسخ الحرفى، ولم يضع الحواشى بصورة تعكس غياب أى جهد بحثى، ناهيك عن أية إضافة حقيقية.

 

بين بحث ضعيف لصاحبه، وبحث منتحل منسوخ، وبحث ثالث يمكن اشتقاقه، فهو نصف منتحل وضعيف فى آن، عليك أن تقرر عزيزى القارئ أيها أحق بالجائزة! فلتحجب الجوائز ولتوقف المسابقات حتى نفهم العلة الحقيقية لتلك الظاهرة الخبيثة. فالمنتحل الذى يحسب نفسه ذكياً يسرق من مصادر تفضحه قوة ومتانة لغتها (خاصة المكتوبة بالإنجليزية) وهو ما يثير الشك عند النظرة الأولى للروقة. وهو لا يكلف نفسه مشقة نقل البيانات لعمل الرسوم البيانية فهو ينسخها "صورة" من العمل الأصلى ! ولا يكلف نفسه تدبّر السطور بعد نسخها والتى منها ما يشير إلى حاشية غير موجودة فى البحث أو فقرة فى فصل لا وجود له فى بحثه لكنه بالطبع موجود فى البحث المسروق منه.. فالسارق إذن يترك خلفه بصمات تكشفه كما تعودّنا دائماً. والمحكّم عليه أن يحكّم ضميره أولاً ولا يستسهل وزن الأوراق ثم منح الدرجات بغير قراءة وبحث فى الأسانيد والمصادر، وإلا كان كمن يساعد على انتشار الجهل والفساد وشيوع السرقة فى المجتمع.

 

بذرة الانتحال يضعها المجتمع فى الصغار بقصد وبدون قصد. فهذا مهرجان للمخترع الصغير، يقف فيه الطفل الذكر الجميل يتحدث عمّا يسميه "اختراعه" ومن خلفه مدرس أو موجّه يلقّنه والعدسات تصوره لتنشر الفكرة! لو أن الطفل قال إن هذا العمل أو ذاك "من تصميمي" لكان خيراً له ولنا، وكان أصدق قولاً، ولما انتقص ذلك من قدره ولا نبوغه، فهو بعد صغير والعمر أمامه ليقدّم مخترعاً "أصيلاً" وفكراً يمتاز "بالأصالة"...لكنها عقلية الانتحال وبذوره التى توضع فى المجتمع بين براعمه الذين لن يجدوا غضاضة فى المستقبل أن ينقلوا الأبحاث نصاً.

 

كم رسالة ماجيستير ودكتوراه قدّمت بالانتحال؟! وكم بحثاً خرج من مكتبات شارع "بين السرايات" وهو لا يتضمن عبارة واحدة "أصيلة" لصاحبها؟! هذا حال البحث العلمى، وإن لم ننتبه سريعاً فلن نجنى إلا التراجع والانهيار.

اعلان

اهم الاخبار