١٢٢

١٢٢

مدحت نافع

مدحت نافع

04 يناير 2018

 

أتساءل بصدق هل مازال أحد يتصل بشرطة النجدة؟

 

هل رقم ١٢٢ الذي عنونت به مقالي يترك أى أثر في نفس أو ذهن صغار المواطنين؟ وهل مازال يحمل أى معنى لكبارهم؟ كنت إذا تعرضت لأى مشكلة في صغرى أعرف أن من "حقي" أن ألوذ بهذا الرقم، أن أطلق نداء استغاثة ولو لأتفه الأسباب فلا أبالي لأن شرطياً مكلّفاً بالرد على اتصالي والإنصات إلى شكواى والتي عادة ما تكون شكوى من صخب في الجوار، أو بلاغ عن حريق نشب عن بعد.

 

كانت سيارة الشرطة حينها تظهر سريعاً للتحقيق في الشكوى أو ترسل سيارة الإطفاء دون تأخير. تطور الأمر فصارت السيارة تظهر بعد فترة طويلة غالباً بعد انتفاء موضوع الشكوى أو البلاغ.. ثم تطور الأمر أخرى فصار متلق الاتصال يطالبنى بالظهور في القسم لتقديم شكوى بنفسي! وليت شعرى ما الداعي إلى الاتصال وما هى وظيفة متلقيه طالما أن شيئاً لن يحدث إلا بحضورى شخصياً!

 

اليوم لم يعد أحد يرد على اتصالك إلا فيما ندر، ولإن تم الرد فإن الاستجابة تكاد تكون معدومة! حتى أصبح الاتصال بشرطة النجدة نوعاً من المزاح إن ناشدك أحدهم باللجوء اليه، وهنا مكمن الخطر الأكبر.

 

البديل للشرطة في كثير من الأحوال هو الاعتماد على الجهود الشعبية، والتي قد تتضمن استخدام العنف في أعمال خطيرة للبلطجة والتخريب والإفساد بحجة انتزاع الحقوق لأصحابها، وقد تتسبب في كارثة أكبر لو أن حريقاً نشب هنا أو هناك بسبب ماس كهربائي وحاول الأفراد إطفائه بأدوات تقليدية وباستخدام الماء! فقط لأن "الثقة" قد انعدمت في الحصول على مساعدة متخصصة تتجسد فيها سلطة الدولة وأياديها، وتعمل بها أساليبها بحرفية. تحل من أسف شريعة الغاب، تتداعى لذلك سائر أرجاء الوطن وفى مقدمتها مراكز المال والاقتصاد، التى تتسم عادة بسرعة الهلع تجاه صور الفوضى المختلفة.

 

الغريب أن العديد من برامج التوك شو لجأ مقدموها الى محاولة الاتصال بشرطة النجدة في حضور أحد ممثلي وزارة الداخلية فيتعذر الرد ولو مرة واحدة بعد محاولات عديدة على الهواء، ثم لا يتغير شئ بعد انتهاء الحلقة والحصول على نسب مشاهدة مرتفعة!

 

متى يدرك الجميع في مصر أهمية مؤسسات الدولة؟! أهمية أن تتمتع تلك المؤسسات بالثقة وتحظى بالمصداقية مثلما يجب أن تكون لها مهابتها المطلوبة دائماً والتى تكتسبها بحكم دورها الفاعل وحصانتها الدستورية التى أقرها الشعب راضياً مرضياً؟. أى بديل لذلك فهو مظهر من مظاهر الفوضى، لا مكان للقانون فيه، ولا سبيل لإقامة الدول على هذا النحو، ناهيك عن الدول الكبيرة الضاربة جذور نشأتها في أعماق التاريخ السحيقة.

 

إذا بحث المواطن عن جهة أخرى بخلاف مؤسسات الدولة وهيئاتها الشرطية والقضائية لانتزاع حقوقه أو بغرض التعدّى على حقوق الغير، فهذا أكبر مظهر لرخاوة الدول، وهو ما نربأ بمصرنا الحبيبة أن تعانيه، فى ظل منطقة مشتعلة بالأحداث والتقلبات السياسية والاقتصادية، وفى ظل مجتمع دولى يعانى من كثير من أعراض الفصام وازدواج المعايير لدى تناول القضايا الإقليمية الهامة.

 

عسكرى الدرك الذى نادى الكثيرون بعودته، وصيحته الشهيرة "مين هناك" التى اعتدنا سمعها فى الأفلام القديمة، هما أيضاً من مظاهر الدولة القائمة التى تحكمها القوانين ولا تخضع لسيطرة أو لسطوة عصابات بلطجية أو إرهابية حسب الأحوال.

 

أخبرنى أحد العارفين بوزارة الداخلية أن أزمة الغياب الشرطى عن الطرق السريعة وكثير من الشوارع العمومية سببها اقتصادى فى الأساس! ولخّص تلك الأزمة فى كلمتين "بونات الوقود". فهو يجزم بأن البونات التى يتم صرفها لسيارات الدورية الراكبة بغرض تزويدها بالوقود لا تكفى لكى تجوب تلك السيارات الشوارع والطرق حرصاً على استتباب الأمن. هذا أمر خطير يجب أن تلتفت إليه الحكومة بكامل هيئتها، أن تحرص على وفرة الوقود اللازم للعمل الشرطى بدون مقابل ولو كان فى ذلك ضغط على الموازنة العامة للدولة لأن "السلامة أولاً" هو الشعار الذى يجب أن يحكم كل مؤسسات الدولة بلا تردد أو تراخ.

 

الخوف من إساءة استخدام الوقود أو الفساد فى التعامل معه يجب ألا يكون سبباً فى سوء إدارة هذا النوع من المخاطر. كثيراً ما تحدثت عن الفرق بين إدارة المخاطر وتجنّبها، بما ينطوى عليه تجنّبها من ضرر كبير نتيجة قتل الفرصة والمنفعة مع الخطر.

 

البحث المستمر عن سبل تلبية الاحتياجات العامة للمواطنين من خدمات الأمن، ومحاولة تحقيق تلك الغاية بأقل التكاليف المادية والبشرية، هو أول ما ينبغى على وزير الداخلية أن يضطلع به إذ يضع استراتيجية عامة لإدارة تلك المؤسسة الوطنية الخطيرة. إذا تحقق هذا الأمن تستقر الدولة مباشرة، وتقل الحاجة إلى تدبير وسائل -أعلى تكلفة- من أجل مواجهة الاضطرابات والشغب. فأهم أسباب تلك الاضطرابات هو غياب الأمن بادئ الرأى.

اعلان

اهم الاخبار