ملف الأراضي وعقبات الاستثمار

ملف الأراضي وعقبات الاستثمار

مدحت نافع

مدحت نافع

29 ديسمبر 2017

 

ما تركت مناسبة يستطلع فيها رأيي بخصوص قانون الاستثمار وتعديلاته ومسوداته العديدة إلا وذكرت خلالها رفضي القاطع لاختزال أزمة عزوف الاستثمار في تشريع! وكلما تمسك الرأى المعارض لي بحجته أختتم النقاش العبثي برهان على ألا يتغير شئ بعد صدور قانون الاستثمار الجديد. 

 

لا أرجم بالغيب وما كنت أضمر في نفسي شيئاً تجاه أصحاب الدعوة بتغيير قانون رقم ٨ (الممتاز) ولكننى أقرأ المشهد ببساطة وأحاول عزل الأسباب التي يمكن أن تعوق الاستثمار سبباً تلو الآخر بغية الوقوف على التشخيص الواقعى للداء.

 

كثير من عقبات الاستثمار تتمثل في قرارات محلية تخص المحافظة أو الهيئة أو حتى الحى! هذه القرارات تتسبب فيما نسميه ظاهرة الأيادي المرتعشة، حق لتلك الأيادي أن ترتعش وإلا تعرضت للمساءلة الإدارية وربما الجنائية إن هى أطاعت الدستور والقانون وخالفت قراراً للسيد المحافظ! أراضى الدولة تعرضت لكثير من الترخّص في تخصيصها بغير مقابل أو بمقابل زهيد بحجة تشجيع الاستثمار لكن استغلال تلك الأراضي يصطدم بقرارات وتعليمات وكتب دورية تجعل استغلالها مستحيلاً! 

 

حتى الأراضي المملوكة ملكية خاصة لشخص اعتبارى أو طبيعي ولا دخل للدولة بها سوى منح التراخيص للبناء أو اتخاذ قرارات بالتقسيم تتعرض لمطالبات غريبة في صورة رسوم وإتاوات لجهات مختلفة منها المساحة ومنها التخطيط العمراني ومنها المحافظة التي تلجأ لقانون صدر عام ١٩٥٥ يتناول رسوم التحسين الذي يطرأ على عقار بسبب استفادته من منفعة عامة متمثلة في توسعة وتمهيد شارع مثلاً لمزاحمة المالك في ملكه ومناصفته ريعه!

 

بعض المحافظين يظنون أن تغيير نشاط الأرض من التحسين وهم في ذلك يصدرون فرمانات لا حجية قانونية لها من أجل تحصيل أموال من صاحب الأرض بلا أى مسوّغ. بل هم يتوسعون في تفسير القانون المذكور ويعتدون على حق المواطن في الطعن والتظلم من تقدير اللجان الفنية المعنية بتقييم فروق التحسين، ويرفعون الحدود القصوى للعمق المقرر عليه فرض الرسوم قانوناً!

 

المشكلة ليست دائماً في مركزية القرارات بل على العكس بعض اللامركزية منحت صلاحيات فوق قانونية لأشخاص لا يحسنون استخدامها لتحقيق النفع العام ظناً منهم بأن الجباية هى غاية ما يريدون تحقيقه. ذبح البقرة التي تعطيك لبناً يسد جوعك بعض الوقت لكنه يتركك جائعاً عطشاً زمناً طويلاً. هكذا الاستثمار الذي لا تريد منه ايراداً فورياً لكنه يخلق فرصاً للعمل ويحقق وفورات اقتصادية ومزايا اجتماعية كثيرة لا يرصدها إلا العارفون.

 

هذا مثال واحد لنوع واحد من قرار يتعلق بعنصر واحد من عناصر الإنتاج وهو الأرض. النتيجة أراض كثيرة غير مستغلة تترك نهباً للتعديات، ثم يلتف حولها سماسرة الأراضي الذين يعرفون كيف يستخلصونها من المحليات بالطرق التى يفطن اليها القارئ الكريم. عنصر العمل في مصر يحتاج الى تعليم وتأهيل حتى يصبح معداً للعملية الإنتاجية. عنصر رأس المال شحيح ولا توجد له حوافز كثيرة، عنصر المعرفة لا يجد مساحة للحركة في مصر، لم يبق إذن سوى الأرض كى يتم استغلالها بما يثمر وفقاً للتخطيط العمراني الشامل الذي يرى بعين الشمول والإحاطة المزايا النسبية لكل منطقة ويسعى إلى تعظيم المنفعة منها.

 

فى مقال الأسبوع الماضى كتبت عن الاستثمار بين الترخيص والترخّص، واليوم أؤكد على أن الخلط بين الحق الذى منحه الله للمالك، وبين الوصاية التى افترضها البعض على المواطنين ليست من القانون فى شئ من قريب أو من بعيد.

اعلان

اهم الاخبار