الاستثمار بين الترخّص والترخيص

الاستثمار بين الترخّص والترخيص

مدحت نافع

مدحت نافع

21 ديسمبر 2017

لا أحد يحب الإجراءات العقيمة التي ينبغي على المرء المضي فيها حتى يستصدر ترخيصاً من الدولة بمزاولة نشاط أو قضاء أى نوع من المصالح. ولا أحد يدعو إلى وضع العراقيل أمام الاستثمار المحلي والأجنبي بحجة إعمال الرقابة وبهدف خفي لتطفيش الاستثمار وإزهاقه. والاستثناء من "لا أحد" هو من نصيب غير الأسوياء من أصحاب النفوس المريضة والأچندات الخفية. 

 

لكن أحداً لا يعقل أن البديل الوحيد لتعطيل المصالح ووقف المراكب السابحة هو الترخّص في حق الدولة، والتوسّع في منح الإعفاءات والاستثناءات غير المطلوبة، بما يتضمنه ذلك من إهدار للمال العام، وضياع لفرص بديلة كامنة في موارد لم تستثمر كما ينبغي بسبب فشل إدارتها لا بسبب إعمال القانون على وجهه الصحيح. 

 

المال العام وما في حكمه أحق بالعناية من المال الخاص، والمسئول الذي عهد اليه بالتفاوض في صفقة تكون الدولة ممثلة بإحدى هيئاتها أو شركاتها يجب أن يضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار، أن يتعامل مع هذا المال كأنه ماله الخاص، بل كأنه مؤتمن عليه وهو كذلك بالفعل.

 

تسهيل الإجراءات حرفة تتقنها بعض الدول مثل سنغافورة، وترصد مؤشرات التنافسية هذا الإتقان عبر مؤشرات فرعية متخصصة. تلك الحرفة تقتضي الموازنة بين إعمال الضوابط وجذب الاستثمار، يدرك صاحبها الفرق بين الترخّص والترخيص. 

 

الموظف العام وهو يفتقر إلى التأهيل والتدريب المناسبين إلا من رحم ربي، يعجز عن فهم هذا الفرق. تجده فى حاجة ماسة إلى عمل مسح شامل لكافة التطبيقات المحفوظة في وعيه الوظيفي والمتراكمة عبر سنوات إذا طلب منه رؤساءه أن يقلع عن البيروقراطية العقيمة وأن يعمل بروح القواعد والقوانين لا بنصوصها الجامدة المتكلّسة.

 

لكنه إذ يمسح تلك التطبيقات لا يترك شيئاً آخر في وعيه كيما يمارس عمله المناط به! هنا عليه أن يرفع يده تماماً وكأنما قد وجّه أحدهم مسدساً إليه! يضطرب لا يعرف أن يميز بين قوله للمستثمر عليك احضار كذا وكذا بغرض صيانة المال العام، وبين ذات القول إذ علم أنه ينطوي على تعجيز. بعض سماسرة المال العام ينشطون في تلك البيئة، إذ يحصلون على أموال طائلة من تذليل العقبات الحكومية أمام المستثمرين. وحتى ترتفع العمولة فعليه أن يغلب الدولة ويسحقها أمام هذا المستثمر! سبيله إلى ذلك تحوّل الموظف العام المفاجئ من العمل بسياسة الأيدى المرتعشة إلى سياسة الأيدي المرفوعة سابقة البيان.

 

الموظف الذي فوجئ بين عشية وضحاها بتغير السياسات، يسكّن قلقه وضميره بقيله "وانا مالي" عليه أن يتعلم أنه ماله ومال أولاده وسائر المواطنين وهو مسئول عنه أمام الله. لا يكفي لتغطية موقفه أن يحصل على توقيع فلان الذي يحصل بدوره على توقيع علان ...ثم تضيع ملفات الأراضي والمشروعات الهامة بين توقيعات وتأشيرات لا حصر ولا أساس لها من قانون أو دستور. وعلى الدولة أن تعده إعداداً مناسباً لهذا التغير، وأن يشتمل برنامج تأهيله على مهارات التفاوض والاتصال الفعّال.

 

هذا دور الإدارة، وكل مرؤوس يسير في ركب رئيسه ويحتمى به، ثم يتم تقديم رئيسه قرباناً في مذبح الاستثمار الذي لم تنجح مصر بعد في بلورة منظومة صحية لتشجيعه، بعيداً عن التفريط والإفراط في التعقيد. 

 

القضايا التي تعلن عنها الجهات الرقابية يومياً، كاشفة لحجم كبير من الفساد الإداري الذي لا يعقل أن يكون بهذا السفور لولا الاضطراب الناتج عن تحوّل ثورى في وعي الموظف العام كما سبقت الإشارة. عبد الروتين أفندي الذي كانت أكبر مخاوفه في السابق أن يسبه أحد المستثمرين المقهورين أو يشكوه إلى من يدفن الشكاوى، صار يخشى من تلك التهمة اليوم ،خاصة إذا صعد في سلم الوظيفة وصار مشتاقاً إلى ما هو أكبر..هذا ما يفسر في رأيي زيادة نسبة قضايا الفساد بين أصحاب المناصب العليا ومنهم من كان وزيراً وتم ضبطه وهو في السلطة.

اعلان

اهم الاخبار