المجلس الأعلى للاستثمار.. فرص وتحديات

المجلس الأعلى للاستثمار.. فرص وتحديات

مدحت نافع

مدحت نافع

14 ديسمبر 2017

حينما أنشئ المجلس الأعلى للاستثمار في نوفمبر من العام الماضي قبل ساعات من قرار تحرير سعر الصرف كان له أثر إيجابي في امتصاص الصدمات التى أحدثها القرار على الصعيدين النقدي والمالي. اجتمع المجلس مرة واحدة وأصدر ١٧ قراراً يدور معظمها في فلك تشجيع الصناعة والصادرات ومنح امتيازات في تخصيص وترفيق الأراضي المخصصة للأنشطة التصديرية وتلك التى تحل محل الواردات من السلع الأساسية، فضلاً عن تشجيع وحفز مجالات الإنتاج الزراعي والاستصلاح، واختصت القرارات تنمية صعيد مصر بعدد من المحفزات الضريبية والإجرائية. كذلك تطرقت القرارات إلى آليات فض المنازعات الاستثمارية ووضعت قيوداً على الجهات الحكومية للالتزام بقرارات لجان الفض في مدى زمني ضيق. القرارات تناولت أيضاً تنظيم المدفوعات وهو ما نتج عنه لاحقاً تأسيس مجلس للمدفوعات. 

 

المجلس لم يجتمع سوى مرة واحدة مع إن قرار تأسيسه ألزمه بالاجتماع بصفة دورية. على الرغم من ذلك فقد ساهم تشكيل المجلس الأعلى للاستثمار برئاسة رئيس الجمهورية وعضوية عدد كبير من الوزراء وممثلي الجهات السيادية وممثلى الغرف التجارية واتحاد الصناعات في الاشتباك مباشرة مع العديد من المشكلات التى تؤثر سلباً في مناخ الاستثمار وتحد من فرص التنمية الشاملة. كذلك ذيّلت قرارات المجلس بعبارة ملزمة للوزارات ومختلف الجهات المعنية بالعمل على إعداد مشروعات القوانين المحققة للأهداف العليا للقرارات السبعة عشر، وهو ما نتج عنه لاحقاً صدور قانون التراخيص الصناعية ابريل الماضي، ومنح امتيازات ضريبية لبعض الأنشطة المستحقة للتشجيع، وإطلاق مبادرة البنك المركزي لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلاً عما سبقت الإشارة اليه من تأسيس مجلس مختص بالمدفوعات.

 

نفس التشكيل الذي يحقق تلك المزايا ينطوى على تحديات عديدة حالت دون اجتماعه بانتظام، وتسببت فى تعطل إنفاذ عدد من القرارات المشار اليها وعدم إنفاذ بعضها على الوجه المطلوب. لا يمكن للدولة كلها أن تجتمع مرتين شهرياً بغرض حل أزمات الاستثمار، كما لا يجوز أن يوضع رئيس الدولة على رأس كل جهاز يتعامل مع مشكلة في مصر، وهو ما صرّح به الرئيس السيسي في معرض رده على رجل الأعمال الأشهر المهندس نجيب ساويرس في مؤتمر الكوميسا الذى عقد مؤخراً بمدينة شرم الشيخ. هذا التشكيل إن غاب عنه التفويض يصبح معوّقاً للمجلس.

 

كذلك يجب أن يكون نصب أعين مُتَّخِذى القرار الدور المرحلي الذي يلعبه هذا النوع من المجالس، على أن تكون الغاية الحقيقية من تأسيس مجلس أعلى للاستثمار هى إعداد وتجهيز بيئة استثمارية صحية في إطار رؤية شاملة، مما يترتب عليه خلق آلية مستدامة للتعامل مع مشكلات ومتطلبات الاستثمار بعيداً عن المركزية الشديدة المتعارضة مع أهداف التطوير والتحديث و"مأسسة" الدولة بمعنى تحوّلها التدريجي من الاعتماد على الفرد للاعتماد على المؤسسات.

 

المراحل الطويلة التي مررنا بها لإصدار قانون جديد لحوافز الاستثمار ألهتنا عن الأزمات الحقيقية لبيئته، وهو ما تنبأت به في غير مقال ومقام. اليوم لدينا قانون ولائحة تنفيذية ولكن ليس لدينا التشخيص الواقعى والتحليل الدقيق لمختلف الأزمات الملوّثة لبيئة الاستثمار، كما تغيب عنا الرؤية المستدامة والمستقرة للتعامل مع تلك الأزمات، الأمر الذي يستهلك طاقة وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي في تخليص الاشتباكات على نحو فردى وبمركزية أيضاً لا تؤسس لحلول مستدامة.

 

يجب ألا نخشى من الإفصاح بالأدواء التى نعانيها، نشخصها ثم نضع لها بدائل مختلفة للعلاج، وإلا فلن نبرح على ما نحن فيه عاكفين.

اعلان

اهم الاخبار