استقلالية الفيدرالي الأمريكي بين الواقع والمأمول

استقلالية الفيدرالي الأمريكي بين الواقع والمأمول

مدحت نافع

مدحت نافع

08 ديسمبر 2017

كتبت "سارة بايندر" أستاذة العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطون بالولايات المتحدة مقالاً هاماً فى صحيفة نيويورك تايمز حول أسطورة استقلالية البنك الفيدرالى الأمريكي.


فى البداية تناولت "بايندر" حقيقة غموض دورة العمل الداخلية للفيدرالى الأمريكى بالنسبة لغالبية الشعب الأمريكى. الشائع حول هذه المؤسسة الهامة أن الرئيس الأمريكي بل والكونجرس ذاته لا يملكون بسط سلطاتهم عليها، ومما عزز من قوة تلك الأسطورة أنها ارتبطت فى الأذهان بالقوة الاقتصادية الهائلة التى يتمتع بها الفيدرالى الأمريكى كما هو ظاهر للعوام.


تشير كاتبة المقال إلى اجتماع تم منذ أيام بين الرئيس الامريكي "دونالد ترامب" ورئيس البنك الفيدرالى السيدة "جانيت يلين" على خلفية سعيه للبحث عن قيادة جديدة للبنك! هنا ينبغى على المتابع أن يدقق فى مدى استقلالية البنك الفيدرالى عند صناعته للسياسة النقدية للبلاد. الشكل الأقرب لتوصيف الفيدرالى ليس الاستقلال وإنما الاعتماد المتبادل بينه وبين الكونجرس. تلك العلاقة تضع قيوداً على اسقلالية البنك.


السبب فى هذا التوصيف المنافى للاستقلال هو اعتماد الكونجرس على الفيدرالى فى تسيير شئون الاقتصاد الامريكي، وفى امتصاص اللوم الشعبى عند أى إخفاق اقتصادى. المراجعات المستمرة للقانون المنشئ والمنظم لعمل الفيدرالى الأمريكي الصادر عام 1913 تعطى دلالات واضحة للتكلفة التى يتحملها الفيدرالى إن هو خالف توقعات أعضاء البرلمان الأمريكى.  

 

فى الوقت ذاته تتوقف مصداقية البنك الفيدرالى خاصة عند اتخاذه تدابير قاسية غير شعبية على الغطاء والدعم السياسي الذى يوفّره الكونجرس والرئيس. إذا لم يوفّق الفيدارلى فى الحصول على هذا الدعم، سيكون من المحتمل قيام الكونجرس والرئيس بتبنّى سياسة مالية مخالفة للسياسة النقدية ومقيّدة لنتائجها على أرض الواقع.


على سبيل المثال كان تفعيل قانون "دود-فرانك" لإصلاح وول ستريت وحماية المستهلك فى عام 2010 والذى صدر فى أعقاب إخفاق الفيدرالى فى منع أزمة الرهن العقارى فى 2008 بمثابة الضربة الأولى التى سددها الكونجرس للفيدرالى فى لعبة إلقاء اللوم على البنك فى التعامل مع الأزمات. عمد الكونجرس إلى تحجيم قدرة البنك الفيرالى على ممارسة دوره الأصيل كمقرض الملاذ الأخير للبنوك، عبر وضع العديد من المسئوليات التنظيمية على عاتق البنك من خلال التشريعات الجديدة التى أعقبت الأزمة المالية العالمية.


التشريعات الصادرة عن الكونجرس الأمريكي بعضها يعزز من الاستقلالية النسبية للفيدرالى وبعضها يقيّدها، والبعض يفعل الأمرين معاً! عادة ما يتجه الكونجرس إلى تعديل قانون الفيدرالى بغرض السيطرة على الدورات الاقتصادية. كلما كانت معدلات التضخم ومعدلات البطالة فى ازدياد ملحوظ كلما زاد احتمال لجوء الكونجرس إلى تعديل قانون الفيدرالى! كذلك يرتفع هذا الاحتمال عندما يكون الانتخابى مجزى، مداعبة مشاعر الناخبين هدف لا يمكن تجاهله لدى قراءة سياسة الكونجرس تجاه الفيدرالى. 


على مدار التاريخ الحديث يظل تهديد الكونجرس للفيدرالى ضجيجاً بلا طحين فى معظم الأوقات. فقد رصدت صاحبة المقال المشار إليه خلال الفترة من 1947 إلى 2014 مشروعات قوانين تمس سلطة وتنظيم الفيدارلى الأمريكي بلغت 333 مشروعاً مقدّماً فى مجلس النواب و879 مشروعاً مقدّماً فى مجلس الشيوخ ! مشروعات القوانين المقدّمة كل سنة خلال تلك الفترة كانت تتجاوز الوسيط الحسابى فى السنوات ذات المعدلات المرتفعة للبطالة. كلما كانت الظروف الاقتصادية هادئة، ترك الكونجرس البنك الفيدرالى وشأنه، وكلما اشتعلت الازمات أمطره بمشروعات القوانين التى تغيّر من آلياته وأدواته وصلاحياته. فترة رئاسة "آلان جرينسبان" للفيدرالى فى الثمانينات من القرن الماضى والتى وصفت بفترة "الاعتدال العظيم" تمتّع خلالها الفيدرالى بهدنة مع الكونجرس، خاصة مع تحقيق الأول لخططه المفصح عنها. لا يمكن قول الشئ ذاته عن فترات الأزمات الاقتصادية المحتدمة.


يقع الفيدرالى الأمريكي هذه الأيام بين فكى رحى. هو ممزق بين مطالب الجمهوريين بالحد من السرية، من هذا مثلاً المطالبة بتبنّى الفيدرالى لقواعد وسياسات معلنة لتحديد أسعار الفائدة. البعض الآخر يريد من الفيدرالى المزيد من الشفافية والتى ربما تقتضى السماح للمراجعين بمراجعة مناقشات السياسة النقدية! وعلى الرغم من سيطرة الديمقراطيين أتباع الرئيس أوباما على التركيبة الراهنة للفيدرالى الامريكي، مازال الحزب الديمقراطى يوجه نقداً لاذعاً لسياسات البنك، مؤثراً فرض قيود أكبر على إقراض الطوارئ.

 
هذا النوع من التهديدات التشريعية تقيّد حركة واستقلالية الفيدرالى الأمريكى بشكل كبير. مسئولو البنك يدركون بخبرتهم أن سرعة التحرك على سبيل الاستجابة لتلك المطالبات، حتى ولو فى الاتجاه المخالف للضغوط البرلمانية والرئاسية يقلل من احتمالية العبث بقانون الفيدرالى. 


نائب جمهورى من تكساس يترأس لجنة الخدمات المالية فى مجلس النواب، هدد "يلين" بقف شراء أصول تقع فى مسئولية السياسة المالية، ووجه نقداً لاذعاً للفيدرالى مفاده أن الشعب الامريكي ربما يستيقظ ذات يوم ليجد البنك المركزى وقد تحوّل إلى المخطِط المركزى للبلاد.


سياسة استهداف التضخم التى تبنّاها الفيدرالى الأمريكي عام 2012 تدحض هى الأخرى أية مزاعم باستقلالية البنك. فتحت رئاسة "برنانكى" آنذاك، كان الفيدرالى يعتزم تبنّى تلك السياسة قبل عقد من هذا التاريخ، لولا خوفه من مقاومة الكونجرس لتلك السياسة، الامر الذى تعكسه وثائق البنك وتصريحات سابقة لنائب رئيس البنك "دونالد كون" حينما أكد فى عام 2008 على ان سياسة استهداف التضخم لن تؤتى أية ثمار إذا ما عارضها الكونجرس!


صبيحة الأزمة المالية العالمية مباشرة كانت المخاطر السياسية أكبر من أن تعطى فرصة للفيدرالى لكى يشرع فى تطبيق سياسة استهداف التضخم. لم يتمكن الفيدرالى من تطبيقها إلا بعد مرر سنوات على الأزمة وبعد أن تراجعت معدلات البطالة. وحتى يومنا هذا ومع تحسّن الاقتصاد الامريكى بشكل ملحوظ مقارنة بفترة الأزمة، تواجه "يلين" برفض حاد من قبل المشرّعين كلما أقدمت على اقتراح بتحريك معدّل التضخم المستهدف لتوليد معدّل نمو أكبر. ربما كان حرص الفيدرالى على رفع معدلات الفائدة أقل لو أنه يتمتع بحرية فى تحريك التضخم المستهدف، لكنه كما سبق أن أكّدنا ليس حراً حرية مطلقة فى هذا السياق. 


فى الوقت الذى يستعد خلاله الرئيس الأمريكي بدرسة بدائل "يلين" التى تنتهى ولايتها فبراير القادم، تظل هى وفريقها مشغولين باستقرار السياسة النقدية للبلاد. بع مرور عقد على الأزمة المالية وتراجع معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية، تمكّن الفيدرالى أخيراً من التخفيف على ميزانيته البالغة أكثر من 4 تريليون دولار!، كما تمكّن من رفع الفائدة بشكل تدريجى، ومراقبة مستويات التضخم. الوصفة الكاملة لبرنانكى والتى وضعها خلال الأزمة لم تعد مطلوبة حالياً، وغن كانت "يلين" قد أفصحت عن إمكانية رجوع صانع السياسة النقدية إلى تلك الوصفة عندما تضرب الأزمة من جديد. التداخل والمتطلبات السياسية التى تحيط بعمل الفيدرالى تحد من فرص تحقيق هذا الأمر، لكن كلاً من "كيفن وارش" و"جون تايلور" المرشحين لخلافة "يلين" يقلل من احتمالية اللجوء إلى وصفة "برنانكى" غير التقليدية مجدداً، كما يقللان من مخاطر التهديد البرلمانى لاستقلالية البنك فى المستقبل. من غير المحتمل أن يفوّت "ترامب" فرصته الذهبية لإعادة تشكيل مجلس محافظى البنك، والذى يعد مؤشر هام للتدخل فى خططه وسياساته بما يتلاءم مع توقعات الرئيس. المؤكد أن الدورات الاقتصادية لن تتوقف، والأزمة سوف تضرب من جديد، وعندها ستعود لعبة إلقاء اللوم والعبث بالتشريعات لتطفو على سطح العلاقات بين البنك والبرلمان بغرفتيه. 

اعلان

اهم الاخبار