أثر ارتفاع سعر الدولار على الموازنة العامة للدولة

أثر ارتفاع سعر الدولار على الموازنة العامة للدولة

مدحت نافع

مدحت نافع

30 نوفمبر 2017

 

يعتقد البعض أن العلاقة مباشرة وواضحة بين ارتفاع أسعار النفط ومعدّل النمو فى الناتج المحلى الإجمالى لأية دولة.

 

الأمر ليس كذلك، فالمعادلة شديدة التعقيد، لأن ارتفاع أسعار النفط التى عادة ما تنذر بتراجع الإنتاج لأسباب كثيرة أبرزها ارتفاع تكلفة التشغيل والنقل، ومن ثم تراجع نمو الناتج المحلى الإجمالى، هى من ناحية أخرى ضرورية لتحقيق فوائض فى الدول المنتجة والمصدّرة للنفط التى تغذّى الحاجة للاستيراد المحلى والاستهلاك الذى يعد الوقود الأهم للنمو فى عديد من الدول النامية.

 

مصر على سبيل المثال يجب أن تخضع مصفوفة حساباتها القومية لسيناريوهات مختلفة حتى يتسنى تقدير أثر تقلبات أسعار خام البرنت الأمريكى على سائر قطاعات الاقتصاد من خلال ما يعرف بمصفوفة المدخلات /المخرجات، ومن ثم يمكن تقدير الأثر النهائى على المصروفات والإيرادات فى الموازنة العامة للدولة.

 

مصر دولة مصدّرة للنفط الخام ومشتقاته ومستوردة للمنتجات البترولية المختلفة، فالأثر على ميزان المدفوعات فى ظل الأسعار الجديدة للنفط التى تخطت حاجز 65 دولار/للبرميل مؤخراً (صعوداً من 29 دولار فى بداية 2016) وكذا على سائر احتياجات الاقتصاد المحلى هى مسألة فى غاية الأهمية.

 

الأهمية تزداد نتيجة للأثر المباشر أيضاً على إيرادات قناة السويس. كلما انخفضت أسعار النفط كانت تكلفة المرور بقناة السويس أقل تنافسية من البدائل الأخرى، لأن الميزة التنافسية الحقيقية للقناة تكمن فى أنها أقصر الطرق بين الشرق والغرب وهى من ثم الأقل استهلاكاً للوقود، فإن كانت تكلفة الوقود منخفضة للغاية تصبح رسوم المرور من القناة منخفضة الكفاءة الاقتصادية مقابل المرور عبر طرق طويلة مثل رأس الرجاء الصالح على سبيل المثال والذى لا تحتاج السفن وناقلات الحاويات وغيرها من مراكب إلى دفع أية رسوم للمرور به.

 

بالنسبة للموازنة العامة للدولة قدّر البعض الزيادة فى الدعم الموجّه للمواد البترولية فى الموازنة العامة بنحو 3 مليار جنيه مقابل ارتفاع قدره دولار أمريكى واحد فى أسعار النفط.  

 

وبعيداً عن تقديرات الدعم التى لا يمكن الوثوق بها نظراً لغموض آلية تسعير المواد البترولية فى السوق المحلية، ولغموض تكلفة الإنتاج والتوزيع والنقل، وهى المعادلة التى أشار إليها صندوق النقد الدولى فى تقرير المراجعة الصادر مؤخراً والذى فهمه البعض (أو أراد فهمه) على أنه دعوة مباشرة من الصندوق للحكومة المصرية لتحريك أو بتعبير أدق لرفع أسعار الوقود مرة أخرى! ما طلبه اقتصاديو الصندوق هو النظر فى النسبة المختلة بين التكلفة والسعر والتى تنعكس سلباً على عجز الموازنة العامة، لكن تلك النسبة المختلة يمكن تصحيحها، بل ينبغى تصحيحها بمراجعة عنصر التكلفة.

 

فالهدر فى عملية الإنتاج والتخزين والتوزيع والاستيراد لا يمكن تقديره على سبيل الدقة نظراً لاحتكار المنظومة وعدم وجود منافسة فى تلك السوق. صور الهدر قد تتمثل فى المغالاة فى بند الأجور (خاصة مع وجود فائض عمالة)، أو فى تهالك شبكات التوزيع، او ضعف الصيانة أو حتى الفساد الناتج عن انحراف العنصر البشرى مع ضعف أو غياب أية منظومة لإدارة المخاطر.. كذلك يعد من صور الهدر عدم لجوء وزارة البترول ممثلة فى الهيئة العامة للبترول وغيرها من الجهات التابعة إلى العقود المستقبلية وعقود الخيارات لدى التعاقد على استيراد المواد النفطية من الخارج للاستفادة من فترة الانخفاض غير المسبوقة فى أسعار النفط والتى امتدت لأكثر من عامين بداية من عام 2014.

 

تلك العقود كان من الممكن ان تعمل كآلية للتحوّط ضد تقلبات الأسعار لمختلف المنتجات، وفى مقدمتها المنتجات البترولية التى تعرف بأنها شديدة التقلّب والتى يمتد أثرها إلى مختلف المتغيرات الاقتصادية وعلى رأسها المتغير الذى يؤرّق الشعب المصرى كله وهو معدّل التضخم. رفع الأسعار دائماً هو الحل السهل للتغلّب على مشكلات ضعف الكفاءة، لكن الفاتورة التى يدفعها المواطن تكون مرتفعة للغاية وفى النهاية تكون فاتورة الاقتصاد الكلى برمّتها على المحك.

 

من ناحية أخرى كان وزير المالية المصرى قد أعلن فى سبتمبر الماضى أنه لا نية لتغيير أسعار منتجات الوقود خلال العام المالى الحالى، وأن الحكومة تسير وفق خطة زمنية منضبطة لرفع الدعم نهائياً خلال مدى زمنى يمتد بين 3 و 5 سنوات. مرة أخرى نتحدّث عن فاتورة الدعم التى لا يمكن التأكد من انها توجّه فعلاً للمستهلك النهائى أم تدعم صوراً مختلفة لعدم الكفاءة. فقد تم رفع أسعار الوقود مرتين خلال ثمانية أشهر، وتوقّعت الحكومة أن ينتج عن ارتفاع الاسعار زيادة فى معدلات التضخم تدور حول 5% فضلاً عن زيادة نسبتها 3,7% فى تكلفة النقل بما يتوقع أن يحقق وفراً للموازنة العامة للدولة يتراوح مقداره بين 35 و40 مليار جنيه. مع ذلك أقدمت الحكومة على زيادة (ما يسمى) الدعم الموجه للمواد البترولية فى موازنة العام المالى الحالى من 35 مليار جم إلى ما يقترب من 123 مليار جنيه (زيادة تقترب من 250% !). إذن تتحوّل الخسائر إلى بند الدعم كمرحلة انتقالية لتغطيتها عبر رفع الأسعار مع توافر قدرة حصرية على تحريك الأسعار نظراً لتمتع الدولة بوضع احتكارى فى هذا النوع من المنتجات!

 

لا بديل عن إعادة العمل بنماذج التوازن العام التى يمكن أن تستخدمها وزارة التخطيط المصرية بصورة تسمح بتقدير دقيق لأثر تقلبات الأسعار على مختلف مدخلات ومخرجات الاقتصاد القومى.

اعلان

اهم الاخبار