مكاسب صغيرة وخسائر مفجعة

مكاسب صغيرة وخسائر مفجعة

مدحت نافع

مدحت نافع

23 نوفمبر 2017

 

تعلّمت من كثرة الاحتكاك بالعمل الحكومى والعام فى مصر أن هناك مرضاً يصيب كل من التصق بكرسي الخدمة فى هذا المجال. فضلاً عن أمراض البيروقراطية والأيادى المرتعشة التى عادة ما تصيب الموظف العام بفعل التجارب السلبية، والعواقب المخيفة التى أصابت سابقيه فى ذات المنصب، هناك آفة حقيقية تسكن فى مكاتب أولئك وهؤلاء، مدارها قصر النظر. نعم فالموظف الذى اعتاد أن يرى الدنيا حوله من طاقة ضيقة فى جدار مكتبه المتهالك، لا ينعم أبداً برؤية بعيدة المدى، لا يرى إلا بالكاد تحت قدميه، لا يملك القدرة على المساومة بمكاسب الأجل القصير من أجل تحقيق منافع كبيرة فى الأجلين المتوسط والطويل. حتى إذا بلغ ذلك الموظف أعلى المناصب، فهو مازال حبيس الطاقة الضيقة التى يرى العالم من خلاله.

 

عملت لسنوات مع أحد هؤلاء كان يوفّر جنيهات ثمن المناديل الورقية فى حمامات المؤسسة التى يديرها! ثم هو لا يهتم أبداً بتكلفة هذا التصرّف طالما أنه حقق وفراً يقاس بالجنيهات أو بمئات الجنيهات على أكثر تقدير. التكلفة التى يدفعها الموظفون من تدهور الظروف الصحية والمتمثلة فى تراجع مستوى "الهايجين" لا يراها صاحبنا.. تكلفة السمعة التى تضير المؤسسة كلما أراد أحد زوّارها استخدام الحمامات، هى أيضاً تكلفة غير منظورة..كذلك تكلفة الفرصة البديلة التى تستهلك ساعات من وقت الموظفين بحثاً عن مصدر مستقر ونظيف لتلك المناديل، هذه الساعات تقدّر بآلاف الجنيهات، وتلك السمعة المهدرة المتآكلة ربما لا تقدر بثمن.

 

هذا النوع من الموظفين يتخذ قراراته الخاصة أيضاً على هذا النحو المنحاز للحاضر القريب على حساب أى مكسب متوقع وشبه مضمون فى المستقبل. فهو لا يغيّر وظيفته حتى لا يضيع منه أجره الثابت المستقر والذى لا يكفيه لسداد احتياجاته هو وأسرته، وإن كان فى تغييره وظيفته فرصة لتحسين مهاراته وزيادة دخله. هو لا يراهن على جودة تعليم أبنائه، طالما أن تكلفة التعليم المباشرة كبيرة نسبياً، لأنه كما أوضحنا سلفاً لا يشترى أى شئ فى المستقبل وبالتالى لا يفهم كنه وفلسفة الاستثمار، وأى استثمار خير وأعظم عائداً من الاستثمار فى البشر ؟!

 

المقال بين أيديكم لا ينتقد سلوكيات هذا النوع من الموظفين بغرض الانتقاص منهم، بالعكس هم ضحايا نظام عام، ودولاب حكومى عقيم لا ينتج أبداً صنفاً مختلفاً من البشر إلا على سبيل الشذوذ والانحراف عن النسق العام. فى هذه الحالة يكون الموظف فى حكم المتمرّد الذى يلفظه زملاؤه بمنتهى القسوة والعنف أيضاً! نحن إذن نحاول أن نرصد ظاهرة خطيرة، نتوقع أن تأتى بنتائج طيبة بينما المقدمات كلها سلبية على نحو مقلق. العلاج المطلوب يجب أن يبدأ من أعلى السلّم الوظيفى، كى يرسم خطاً يمكن لسائر العاملين أن يسيروا بمحاذاته.

 

ذلك الرئيس أو المدير الكبير الذى يقبع على قمة المؤسسة ولا يرى إلا المكاسب المباشرة يشجعه على تصدير صورة الانتصار والتميز آلة إعلامية ضالة، وجهات رقابية ليست جميعها على ذات القدر من الكفاءة وعدم التحيّز, بالتالى تقويم سلوك هذا الشخص وفقاً لأدوات حديثة ومعايير عالمية، لن يكون ممكناً باستخدام أدوات الرصد والتحليل والتقييم القاصرة والمغيبة أيضاً. فلنرجع إذن خطوة إلى الوراء، ولنبدأ بتطوير ادوات الرقابة والتقييم قبل تطوير الموظفين أعلى الهرم المؤسسى، وإلا ضاعت جهود تطويرهم هباءً نتيجة لسوء تقدير الرقيب والمتابع. لتقريب الصورة إلى القارئ الكريم، كيف يمكنك أن تبنى بيتاً وأنت لا تملك تصميماً متخصصاً، فإذا امتلكت التصميم بقى أن تجد المهندس الإنشائى الماهر، ثم سائر العمّال المهرة... التصميم فى مثالنا المبسّط يمثّله جهات الرقابة وأعين الإعلام وأقلامهم، فهم يصممون نسقاً مثالياً لصورة المدير الناجح وهو يحاول أن يحوّل هذا التصميم إلى بناءً على أرض الواقع يشرف هو على تنفيذه، بمساعدة كافة العاملين فى المؤسسة. أما إذا وجد مديرنا ضيّق الأفق صاحب مثال الوفر فى أوراق مناديل الحمامات مقالاً يثنى على تصرّفه الرشيد، ودعماً من جهات مسئولة تربط على كتفه احتفاءً بسلوكه الموفّر بينما تغض الطرف عن ملايين تنفق على سفريات صاحبنا خارج البلاد دون أن تحقق أى عائد، فهذا هو مناط الانحراف ومبتدأ الخلل.

 

المدير الناجح، يملك رؤية وتجارب ومهام، يبيع قليلاً من الحاضر نظير عائدات كبيرة فى المستقبل. هذا المدير يحتاج إلى مجلس إدارة يعرف كيف يقيس أداءه بشكل كفء، وآلة إعلامية ماهرة ومدرّبة على تصنيف وتقييم الأداء، وجهات رقابية خارجية تعمل على سد أية فجوات لا تملأها وسائط الرقابة الداخلية، وتدرك أن سبيل التطوير والتحديث هو دالة فى الرؤية المتطورة لا فى توفير مناديل الورق.

اعلان

اهم الاخبار