التمرّد على تحالف (العائلة - المذهب) في السعودية

التمرّد على تحالف (العائلة - المذهب) في السعودية

مدحت نافع

مدحت نافع

16 نوفمبر 2017

 

استمدت أنظمة الحكم اليمينية العربية شرعيتها من العائلة والدين (أو الطائفة والمذهب) كما يذكر الدكتور حليم بركات في بحثه الاستطلاعى الذى أجراه تحت عنوان "المجتمع العربى المعاصر" وقام بنشره مركز دراسات الوحدة العربية فى طبعات عدة أقدمها عام 1984.

 

وفقاً للدكتور حليم بركات، تأسست تلك الأنظمة حول عائلات حاكمة، حتى يمكن وصف بعضها بدول القبائل أو دول العائلات. أطلق على أربعة أخماس الجزيرة العربية مسمّى "السعودية" نسبة إلى عائلة سعود التى تنتمى إلى المسالخ، وهى فرع قبيلة رولا التى هى بدورها جزء من قبيلة عنزة الموجودة فى نجد والعراق وسوريا. كذلك تمركزت السلطة فى الكويت فى عائلة آل صباح منذ مطلع القرن الثامن عشر، ويحكم آل خليفة البحرين، وآل ثانى قطر، وآل أبى سعيد عمان، وآل النهيان أبو ظبى، وآل مكتوم دبى، وآل القاسمى الشارقة، وأنشئ الأردن على اسم العائلة الهاشمية فحمل البلد اسمها وطابعها (وكانت تلك العائلة تحكم العراق حتى عام 1958) وتوصّلت العائلة العلوية إلى الحكم فى المغرب وتوارثته منذ 1664 ! واستمر نهج توريث السلطة فى الدول التى تعرّضت لانقلابات عسكرية، أحياناً بين عائلات وأحياناً عبر روابط أخرى.

 

أما عن المذهبية كمصدر من مصادر الشرعية فى الأنظمة العربية، فقد جمعت العائلة السعودية بين القبلية والحركة الوهابية كأهم دعائم حكمها، وقد ارتبط مصير العائلة بالحركة الوهابية منذ عام 1774. كذلك تحالفت العائلة والطائفة فى دول أخرى مثل السنوسية والمهدية، وتشديد الهاشمية والعلوية إلى على الانتساب إلى الرسول صلى الله عليه وسلّم (طبقة السادة).. وقد استعمل الدين فى التخفيف من الشكوى من تردّى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ورد كل السلبيات إلى غضب الله وخطايا البشر. كذلك أضاف الدكتور بركات القمع كسند هام لدعم شرعية تلك الانظمة.

 

ننظر إذن فى هذا المقال إلى الحجاز، وكيف تحالفت قوى العائلة والدين لتكوين واستقرار المملكة العربية السعودية كما نعرفها اليوم، وإلى القوى المناوئة التى تنشأ الآن للتمرّد على مصدرى الشرعية المعتمدين. لنعد بالتاريخ إلى مطلع القرن قبل الماضى، ففى عام 1810 استجاب محمد على باشا – أخيرا ً- لمطلب الأستانة المتكرر لمحاربة الحركة الوهابية في الحجاز، والذى أخفق فيه عدد من الولاة من مختلف الأمصار.

 

امتدت الحرب الوهابية بين عامى 1811 و1819 انتهت باستسلام "الدرعية" معقل الوهابيين وتسليم الأمير عبد الله بن سعود إلى الباب العالى فى تركيا، حيث أعدم هناك وانتهت الحرب بسيطرة القوات المصرية على أرض الحجاز. أعقب ذلك نشوب ثورة وهابية فى بعض البلدان فى عام 1824 وتم إخمادها. وفى عام 1827 نشبت ثورة أخرى فى مكة أخمدها محمد على أيضاً وعيّن الشريف محمد بن عون (الذى كان يقيم بالقاهرة) شريفاً على مكة، بدلاً من الشريف يحيى الثائر بالتحالف مع القبائل. وفى عام 1829 نشب تمرّد بين بعض القبائل وتوقفوا عن سداد الضرائب، وأعاد محمد على النظام. كذلك نشبت ثورة على الحكم المصرى مركزها جدة هذه المرة استغلت انشغال محمد على بحربه في الشام عام 1832 والتى انتهت بفتحه عكا الذى أجهض الثورة معنوياً، وأعقب ذلك تفرّغه للقضاء على الثورة تماماً، ومد نفوذه إلى شاطئ الخليج الفارسى، واحتل جزائر البحرين في الخليج رغم دعم الباب العالى لتلك الثورة نكاية في محمد على آنذاك.

 

لم ينهزم إذن تحالف العائلة والطائفة (المذهبية) فى الحجاز إلا أمام تحالف عائلة أقوى (أسرة محمد على) مع طائفة أهم (أشراف مكة). هذا ما أدركه محمد على باشا بفطنته واستعان عليه بولديه طوسون وإبراهيم، وقاد بنفسه العديد من المعارك خلال تلك الحرب الصعبة، والتى مناط صعوبتها وعورة المنطقة، وسوء المناخ، وتقلّب القبائل، وتشابك العلاقات البدوية. وقد تعمّد محمد على باشا أداء مناسك الحج مرتين لتأليف القلوب، وإرسال إشارات هامة ذات طبيعة دينية لحسم المعركة لصالحه. تفاصيل الحروب الوهابية زاخرة بتحالفات وتوازنات شديدة التعقيد استطاع محمد على وولديه إقامتها مع القبائل من أجل السيطرة على الحجاز وهزيمة الوهّابيين.

 

إن سلطة الدولة فى الجزيرة العربية مستمدة تقليدياً من الولاء القبلى، وهنا تكمن صعوبة الفصل بين سلطة الدولة وسلطة العائلات الحاكمة والشيوخ. إن قوى سياسية واقتصادية مستحدثة هى التى أدت إلى نشؤ المملكة العربية السعودية وتحوّل البلاد من مجتمع قبلى إلى مجتمع الدولة شبه العصرية، وفقاً لتوازنات عائلية وقبلية أيضاً. فقد تمكّنت العائلة السعودية من احتواء القبائل وإدخالها فى النظام بعد عدة مواجهات مع قوى الاخوان (الجناح المقاتل للقبائل البدوية) انتهت بمعارك حاسمة سنة 1920-1930 لمصلحة الدولة المركزية، فجنّدت القبائل فى الجيش والحرس الوطنى. انتزعت الدولة المركزية إذن من القبائل دور الحماية والدفاع واضطرتها للاعتراف بها، فيما تميز بعض القبائل (مثل بنى مرة) بين الدولة كإدارة بيروقراطية، والحكومة كعائلة سعودية حاكمة، وهم يعتبرون أنفسهم من أنصار الحكومة العائلة، ويتخوّفون من توسّع الدولة "الإدارة البيروقراطية" على حسابهم كقبائل.

 

محاولة "فرع" من عائلة آل سعود الحاكمة اليوم التمرّد على مصادر الشرعية التقليدية متمثلاً فى العائلة والدين، واستبدال تلك المصادر بمقوّمات الدول العصرية التى تحكمها الدساتير والقوانين، دون وضوح لتلك الرؤية أيضاً، هو أمر فى غاية الصعوبة، نظراً لأن قائد تلك الثورة لم يأت بأية شرعية بديلة عن حكم العائلة ومجلسها، ولم يتمرّد على جماعة الأمر بالمعروف إلا على استحياء، وبعد تقلّده المنصب الذى يعتصم به.

 

حادث الحرم المكى عام 1979 كان شاهداً أيضاً على خطورة التفريط أو حتى ظهور شكل من أشكال التفريط فى الانتماء إلى التشدد الدينى، وما ترتب عليه من ارتداد عنيف إلى نماذج التسلّف الوهّابى لحماية العرش السعودى فى دولته الجديدة.

 

المعضلة تكمن اليوم فى كيفية الانسلاخ عن شرعية العائلة والمذهب "معاً" بقيادة رجل لا يمتلك أية شرعية أخرى للحكم سوى دعم الشباب على مواقع التواصل الاجتماعى (نظراً لغياب أية قنوات أخرى لبلورة موقف سياسى داعم أو رافض) ! حتى مفهوم تداول السلطة وفقاً لقواعد مدنية دستورية جديدة غائب عن تلك الشرعية الجديدة المراد تأصيلها. كذلك فتح جبهات للحرب الخارجية (قبل استقرار الداخل السعودى) ضد أتباع مذهب آخر يتمتعون باستقرار كبير فى شرعية بقائهم البعيدة عن الحكم العائلى، والمقيّدة بضوابط الديمقراطية الحديثة، ولو فى الوجه المدنى للحكم. فضلاً عن تمتع نظامهم بحماية عسكرية كبيرة، وانتماء مذهبى وثيق، وانتشار صورة ذهنية سلمية عن هذا المذهب فى الغرب، حيث لم يعرف تورّط الشيعة فى أعمال انتحارية كالتى تورّط فيها الوهابيون وأنصارهم وأتباعهم عبر التاريخ الحديث.

 

المشهد إذن يخلو من أية فرصة أو احتمال لهذا التمرّد الناشئ على مصادر الشرعية الراهنة للحكم فى الحجاز، إذا ما احتكمنا إلى التاريخ والجغرافيا السياسية، بل وإلى المنطق العقلى المجرّد. ويبقى التحوّل إلى الشرعية الدستورية مطلباً عادلاً يجب أن تتطلّع إليه دول المنطقة، بعيداً عن غبار المعارك والحروب الإقليمية، وعن الدعم الغربى المشحون بأطماع السيطرة على منابع النفط، وتقليم أظافر أية قوة خلاف اسرائيل فى المنطقة.

اعلان

اهم الاخبار