عيد القديسين!

عيد القديسين!

مدحت نافع

مدحت نافع

02 نوفمبر 2017

 

وكأن الهلع الذى يعيشه المصريون يومياً على خلفية الهجمات الإرهابية وأحداث العنف وحوادث الطرق غير كاف، فأرادت مدارس المصريين الاحتفال بعيد القديسين أو عيد الهلع بصورة مبالغ فيها بحيث أوشكت مظاهر هذا الاحتفال تطغى على كثير من مظاهر إحياء ذكرى المناسبات الوطنية والدينية الهامة في مصر !

 

قد يظن البعض أن الأمر هيّن وأنها مسألة اختيارات، وأن الأطفال يمضون وقتاً ممتعاً لا غير، وأنه من السخيف أن نلتفت إلى تلك المشاهد باعتبارها مصدر للتهديد. والبعض الآخر يرى في انتشار هذا النوع من الاحتفالات في المدارس والبيوت والأندية، مظهراً خطيراً للتغريب الذى يتسبب بعد حين في طمس الهوية الثقافية للبلد، وانسحاقها حضارياً تحت أقدام دول أخرى. لكن النظرة المنصفة للحدث تنبؤنا بأكثر مما يظن الفريق الأول وربما أقل مما يعتقد الفريق الثانى.

 

الدول التي تتابع مصادر وأدوات قوتها الناعمة تدرك يقيناً أن هذا المد الجديد يتخذ اتجاهاً شديد التسارع، ويعطى ملمحاً من ملامح بسط النفوذ الثقافي لدولة أو مجموعة من الدول على مجموعة أخرى. ولا ضير أن تنتقل بعض مظاهر الحياة في الغرب المتقدّم إلى الدول الأقل تقدّماً داخل حزمة كبيرة من العلوم والفنون والثقافات التي يتم استيرادها بانتظام، عبر أدوات التواصل، وعبر الدراسة في الخارج...إلى غير ذلك من قنوات. لكن الضرر كل الضرر من التهوين من تلك النقاط التي تفقدها الدولة في مباراة التمايز بمصادر القوة الناعمة التي تشتمل مقوماتها الأساسية على عناصر ثلاثة حددها "جوزيف ناى" (مطلق مصطلح القوة الناعمة) في: الثقافة، والقيم السياسية، والسياسة الخارجية لكل دولة، وهى المصادر التي استندت إليها منهجية مؤشر القوة الناعمة 30 الذى صدر لثلاثة أعوام متتالية أحدثها 2017 وطوّرتها استناداً إلى دراسة واسعة لمختلف المفاهيم التي تشكّل تلك العناصر وتتأثر بها.

 

بإعمال معايير مؤشر القوة الناعمة 30 على مصر وغيرها من الدول التي لا يشملها التصنيف، يمكن استخلاص ومتابعة مقوّمات أساسية من شأنها الحكم على مدى تحسّن أو تراجع القوة الناعمة لتلك الدولة.

 

كلما استطاعت الدولة أن تصنع عناوين رئيسة ذات مردود إيجابى في وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، كلما عزز ذلك من قوتها الناعمة. الصعود المبكر نسبياً للمنتخب المصرى لكرة القدم إلى تصفيات كأس العالم وظهور اسم مصر مقترناً بهذا الإنجاز الرياضى في وسائل الإعلام الكبرى هو لا شك مصدر من مصادر دعم القوة الناعمة التي يمكن تحويلها إلى أثر ونفوذ على عدد من الفاعلين خارج مصر. ثورة يناير 2011 كانت عبر مشاهدها المختلفة ووسائط التكنولوجيا التي استخدمت فيها مصدر إيحاء وتأثير على كثير من شعوب العالم، واسم ميدان التحرير صار رمزاً للتحرر والتخلص من نير الاستبداد، حتى إن جذوة ما عرف عالمياً بالربيع العربى رغم اشتعالها أولاً في تونس كان التأثير المصرى أكبر بفعل الحجم وقوة التأثير التقليدية لمصر في محيطها الإقليمى على الأقل. فلو أن مؤشر القوة الناعمة صدر لعام 2011 كان من المحتمل أن يتضمن مصر بين دوله الثلاثين.

 

تمتلك مصر العديد من مصادر القوة الناعمة لكن السؤال الذى نطرحه بإلحاح هو: هل تستطيع الحكومة المصرية حصر وتقدير وفهم عناصر القوة الناعمة في مصر؟ وهل تحسن تسويق تلك العناصر، ثم استغلالها، وتحويلها إلى نفوذ حقيقى يرسم لدول أخرى (بفعل الجاذبية والتأثير) سياساتها وأفعالها؟

 

في مجال الثقافة والفن والأدب تحمل مصر رصيداً كبيراً من التراث الإنسانى يميزها ويضعها في مرتبة استثنائية بين دول أفريقيا والشرق الأوسط..

 

في مجال التعليم تأخرت مصر في مختلف المؤشرات الفرعية لتقارير التنافسية المعنية بتنافسية العنصر البشرى من حيث التعليم والإنتاجية وغيرهما مما يتصل بمقوّمات التنمية البشرية. تراجع استقبال مصر لبعثات تعليمية كما في الماضى، وباستثناء الأزهر الشريف الذى يقدم مواداً وشهادات شبه حصرية في مجال التعليم الدينى، لم تعد هناك مؤسسة تعليمية قادرة على اجتذاب الطلاب من الشرق والغرب في ظل تراجع كافة المؤشرات المرتبطة بالتعليم الأولى والثانوى والعالى.

 

في مجال الاندماج في المجتمع الدولى، تلعب الدبلوماسية الشعبية المصرية دوراً هاماً في تحسين قوة مصر الناعمة، من خلال تميّز بعض الدراسين المصريين في الخارج، وتميز بعض الرياضيين المحترفين في اندية أوروبا (مثل محمد صلاح لاعب ليفربول الانجليزى) وتميّز مطلق للمصريين في رياضات بعينها، مثل لعبة الاسكواش التي يحتل المصريون المراتب الأولى في مختلف مسابقاتها الدولية وتصنيفاتها أيضاً. كذلك تمكّن الشعب المصرى من فتح قنوات تواصل كبيرة مع مختلف الشعوب من خلال استخدامه الكثيف لوسائل التواصل الاجتماعى كالفيسبوك وتويتر وانستجرام، والتي ينادى البعض بحجبها في مصر وتقييدها! تماماً كما فعلت الصين التي تنفق عشرات المليارات على دعم قواها الناعمة، ومع ذلك تفقد الأثر الإيجابى نتيجة تلك السياسات...هنا من الأهمية بمكان أن ننتقل إلى قدرة السياسات المصرية على التأثير في مختلف الشعوب وخلق نماذج يحتذى بها في مختلف الملفات.

 

خلاصة القول، الشعوب لا تقلّد الضعفاء، ولا تنبهر بالفقراء خاصة من يفتقرون إلى رؤوس الأموال البشرية قبل المادية، وتلك الأولى دالة في التعليم الجيد والتأهيل المهنى المناسب.

اعلان

اهم الاخبار