لمحة عن المراكز المالية

لمحة عن المراكز المالية

مدحت نافع

مدحت نافع

26 أكتوبر 2017

 

المراكز المالية العالمية مثل لندن ونيويورك تتبادلان باستمرار موقع الصدارة فى الدراسات التى تجرى لتصنيف المراكز المالية الدولية، حتى أن مسحاً متخصصاً ورد به تعقيب ملفت لممثل أحد أكبر بنوك الاستثمار فى العالم قال فيه ما مفاده أننا كبنك استثمار عالمى يجب أن يكون لدينا موزعون فى نيويورك ولندن وإلا لا يمكن أن نعد أنفسنا مصرفاً "عالمياً". فالمراكز العالمية تتواجد حيث تتوافر السيولة، والسيولة لا تنتقل بسهولة، لذا فالمراكز الكبرى تحافظ على وضعها على الرغم من مختلف التقلّبات، ولا تفقد مكانتها ولو تعرّضت لموجات من الخروج الجماعى لبعض المؤسسات فى بعض الفترات.

 

عناصر التنافسية التى تتمتع بها المراكز المالية الكبرى لا تتغيّر بسهولة، خاصة ما يرتبط منها بإطار تنظيمي وتشريعى قوى ومستقر، ومؤسسات مالية وقانونية راسخة.

 

صور نشأة المراكز المالية

المراكز المالية تنشأ بطرق وملابسات مختلفة، لندن وهونج كونج وأمستردام (على سبيل المثال) هى مدن نشأت تاريخياً كمراكز تجارية وتطورت بشكل تلقائى بعدما استفادت من الطفرة الكبيرة فى مجال التجارة الدولية، والتى صاحبت انتقال التجار من مجال العمل فى التجارة إلى المجال العقارى والتمويل. على النقيض من ذلك فقد نشأت نيويورك وبرلين وفرانكفورت وطوكيو وشنغهاى وطوّرت كمراكز تم تصميمها خصيصاً بغرض منافسة مراكز مالية قائمة، أو لخدمة أهداف مالية خاصة بتلك المدن. النوع الثالث من المراكز المالية الدولية نشأ كملاذ مستقر فى سياق إقليمى هش مضطرب، ومن أمثلة هذا النوع من المراكز مدينة دبى التى تسوّق مركزها المالى كملاذ لرؤوس الأموال الراغبة فى الاستثمار فى الشرق الأوسط وأفريقيا.

 

تنافسية المراكز المالية

يحدد Steffen Kern أربعة عناصر لتنافسية المراكز المالية بعد الأزمة المالية العالمية وهى:

أهمية الحجم: مراكز مثل لندن ونيويورك وهونج كونج وسنغافورة ظلت محتفظة بوضعها ومكانتها العالمية بعد الأزمة، استناداً إلى قوة السوق والأوضاع الاقتصادية المستقرة.

 

الاتجاه نحو صناعة مالية متعددة الأقطاب: فى الأجل الطويل تزيد احتمالية نجاح المراكز المالية الناشئة فى التحوّل إلى مراكز عالمية وذلك استجابة لضغوط وتبعات الأزمات المالية الكبرى، نظراً لحرص المستثمرين على توزيع المخاطر على عدد أكبر من المناطق والأنشطة والمجالات. بالتالى تزداد تنافسية المراكز الناشئة مع مرور الوقت ومع كثرة التعرّض للأزمات المالية.

 

التركيز على الداخل كميزة تنافسية للمراكز المالية الصغيرة نسبياً: المراكز المالية المحلية والوطنية يمكنها أن تستفيد مرحلياً من التركيز على السوق الوطنى والإقليمى بما يقلل نسبياً من تعرّضها لمخاطر الأزمات الاقتصادية العالمية.

 

التنظيم الجيد: هناك ميزة تنافسية للتنظيم الجيد، فوجود إطار تنظيمى محكم هو محدد رئيس لتنافسية المركز المالى. المراكز المالية غير الممتثلة للقواعد الدولية تخضع عادة لضغوط سياسية كبيرة، بينما تعد المراكز المالية عالية التنظيم بمثابة ملاذ آمن ضد مخاطر الأزمات العالمية. لكن من المهم الموائمة المستمرة بين التنظيم المفرط الذى يتسبب فى جزع وهروب رؤوس الأموال والسيولة التنظيمية التى تزيد من فرص تعرّض المراكز المالية لمخاطر الانهيار السريع.

 

المراكز المالية المتقدمة كاملة التطوير توفّر بيئة اعمال داعمة للبنوك والشركات العاملة فى مجال الأوراق المالية، والوسطاء الماليين، وشركات المقاصة والتسوية، والسماسرة، والمستثمر المؤسسى، وشركات التأمين وصناديق المعاشات وصناديق الاستثمار. ويضاف إلى تلك الخدمات القدرة على الإبداع المالى الذى توفّره مراكز مالية محدودة تعمل على تصميم المنتجات والخدمات المالية لتناسب رغبات واحتياجات مختلف العملاء. وهذا النمط الأخير يمكن ان نراه فقط فى لندن ونيويورك وهونج كونج بعتبارها مراكز مالية دولية متميزة وشديدة التعقيد. 

 

وفى إطار حرص تركيا على إقامة مركز مالى إقليمى يتحوّل إلى مركز دولى فى بضع سنوات، أعدت مؤسسة ديلويت للاستشارات دراسة جدوى صدرت عام 2007 تضمّنت العديد من عناصر القوة والضعف فى أسطنبول مقارنة بمراكز دولية وإقليمية قائمة بالفعل، وكان من أبرز مواطن القوة المؤيدة لإقامة المركز المالى محل الدراسة هو ارتفاع ورقى أسباب المعيشة فى أسطنبول مقارنة بالمراكز المنافسة فى الخليج، وانخفاض تكلفة إقامة نشاط الأعمال مقارنة بمراكز أوروبا الكثيرة.

 

كما حددت دراسة الجدوى أبرز العقبات التى تتهدد إقامة المركز المالى فى اسطنبول (والتى يمكن أن تنسحب على أى مركز إقليمى ناشئ) ومنها البيئة التشريعية والبيئة التنظيمية والنظام الضريبى والبيئة المالية وتوافر العمالة الماهرة وتوافر البنية الأساسية خاصة فى المجال العقارى فضلاً عن غياب عنصر السمعة والعلامة المسجلة الذى به تعرف المدينة كمركز مالى (وهو أمر يتطور مع الوقت) وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من التيسير فى ممارسة النشاط ومزيد من التخفيض فى تكاليف إقامته.   

 

ويعدد تقرير مؤشر المراكز المالية عناصر تصنيف وترتيب تلك المراكز وفقاً لتميّزها، مفصّلاً إياها فى خمسة عناصر هى:

عناصر متعلّقة بالأفراد ورأس المال البشرى: وهنا يمكن الاعتماد على عدد من المؤشرات مثل إنتاجية العامل، الدرجة المحققة فى مؤشر التنمية البشرية، مسوح مستوى المعيشة، مؤشرات السعادة، وقوع المركز ضمن أماكن الجذب السياحى..

 

عناصر متعلقة ببيئة العمل: ويرصد مؤشر المراكز المالية العالمية 15 مؤشراً لبيئة ممارسة الأعمال منها على سبيل المثال: الامتثال للقواعد التنظيمية والاقتصادية والمعدلات الضريبية على الأفراد والشركات وفقاً لمنظمة OECD، مؤشر سهولة ممارسة الأعمال الصادر عن البنك الدولى..

 

عناصر متعلقة بالدخول إلى السوق: ومنها قيمة وحجم الأسهم والسندات المتداولة فى المركز المالى، إحصاءات التوريق الصادرة عن IFSL، مؤشر دخول رأس المال الصادر عن معهد ميلكن Capital Access Index, Milken Institute

 

عناصر متعلقة بالبنية الأساسية: ويعتمد فيها على عدد من العوامل ومنها مسوح بدائل التنافسية الصادرة عن KPMG، ومؤشر الملكية العالمية الصادر عنIPD.

 

عناصر متعلّقة بالتنافسية العامة: مؤشر مقارنة الأسعار الصادر عن بنك UBS، والشركات فائقة النمو الصادر عن جرانت ثورنتون  Grant Thorntonومؤشر أسعار التجزئة الصادر عن الإيكونوميسكت.. وعادة ما تتمايز المراكز المالية العالمية كطوكيو ونيويورك وفقاً لتلك الفئة من العناصر.

 

القرن الحالى ربما يشهد تكتلات من نوع جديد، تتلاشى فيها الدول بحدودها التقليدية وتنشأ المراكز المالية عابرة الحدود والجنسيات. التكامل بين تلك المراكز على المستوى الإقليمى سوف يصبح مسألة هامة فى ظل منافسة عالمية شرسة من قبل مراكز مالية متطوّرة وغنية بالخدمات المالية والقانونية والبنى الأساسية المادية والمعلوماتية والبشرية. إذا أمكن لدول الشرق الأوسط وأفريقيا المؤهلة لإقامة هذا النوع من المراكز أن تتكامل فيما بينها لتكوين ما يشبه الشبكة بين تلك المراكز، ومن خلال التأسيس لمشروعات إقليمية كبرى فى مجال البنية التحتية، وباستخدام مختلف بدائل التمويل، فسوف يكون لتلك المراكز مستقبل واعد فى المديين المتوسط والبعيد.

اعلان

اهم الاخبار