الاقتصاد السلوكي يفسّر ويفوز

الاقتصاد السلوكي يفسّر ويفوز

مدحت نافع

مدحت نافع

12 أكتوبر 2017

 

من جديد تنتصر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل للتيار الثورى المجدد لعلم الاقتصاد. الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام هو الاقتصادي الأمريكي ريتشارد ثالر أحد آباء علم الاقتصاد السلوكي، وهو بالفعل صاحب مؤلفات اشتهرت بالتأصيل النظري لمفاهيم الاقتصاد السلوكي، والثورة على النظرية الكلاسيكية وسواها من نظريات تفترض رشادة وآلية تصرفات الأفراد كوحدات اقتصادية.

 

تكرار منح نوبل لأصحاب النظريات الحديثة سواءً المتعلقة بالاقتصاد أو التمويل السلوكي أو اقتصاديات المعلومات له دلالة على مزاج عام يجتاح الأكاديمية يثور على الاقتصاد التقليدي، ويفسح المجال للنظريات الحديثة والتي أرى أن لها قدرة تفسيرية رائعة للواقع لكنها تفشل في التنبؤ والتقدير لكثير من الظواهر الاقتصادية والمالية ببساطة لأنها تؤكد عدم وجود معايير حاسمة للتنبؤ بالسلوك البشرى، فالبشر لا يتصرفون كالآلات ولا يستجيبون للمحفزات الخارجية وفقاً لنمط واحد، بل إن الشخص الواحد تختلف استجابته لذات المحفّز باختلاف الحالة النفسية والمزاجية. وفقاً لثالر فالأفراد يميلون للمبالغة في وردود الفعل وهذا العيب السلوكى يمكنه تفسير تقلبات بعض أسواق المال وموسمية تلك التقلبات، فهل يساعدنا هذا الاكتشاف على التنبؤ بطبيعة وحجم هذا التباين؟! بالتأكيد هناك قيمة مضافة كبيرة لهدم مسلمّات خاطئة كانت تستخدم لتفسير ظواهر اقتصادية بثقة كبيرة، على الأقل لإفساح المجال أمام فهم أكبر لتلك الظواهر والتوصُّل لاحقاً إلى أدوات ناجزة للتنبؤ بها وتحقيق النفع العام من هذا التكوين المعرفي والذي هو الغاية الأكثر نبلاً لعلم الاقتصاد.

 

ما أخشاه هو ارتماء علم الاقتصاد مجدداً في أحضان فرع آخر من العلوم، وإغلاق الباب أمام تطويره بصفة مستقلة. فالاقتصاد كعلم غالباً ما يزدهر متصلاً بعلم آخر أو مجموعة من العلوم. فهو صنو للعلوم السياسية والقانونية عند اقتصاديي الاقتصاد السياسي، وهو فصل في كتابى الرياضيات والإحصاء عند اقتصاديي الاقتصاد القياسى، خاصة أولئك المغالين في تحويل أى ورقة اقتصادية إلى شبكة من المعادلات الرياضية والتي لا يستخلص منها في الغالب سوى نتيجة بديهية توصّل الباحث إليها مسبقاً ثم أراد تأصيلها وإثباتها بإخضاع واستنطاق المعادلات! اليوم ألمس اتجاهاً لتزويج علم الاقتصاد بعلم النفس السلوكى، وبعث كافة النظريات الاقتصادية صفاً أمام عيادة الطبيب النفسي الذي يجيز منها بقدر ما يمر المريض باختبارات الانضباط السلوكى، فيهدمها جميعاً أو في القليل يشكك فيها لأنه يشكك في القدرة على استخراج أنماط سلوكية منضبطة من الوحدة الاقتصادية الأهم وهى الإنسان، الذي هو المستهلك والمنتج في نظريات الثمن، وهو المستثمر والمدّخر في النظرية الرأسمالية، وهو العامل في النظرية الماركسية وما نتج عنها من نظريات..

 

هذا التشكيك في سلامة البنيان النظري لعلم الاقتصاد بمفهومه التقليدي يمكن أن يكون إيجابياً لو أنه حدد هامشاً معقولاً لخطأ التقدير سببه العامل السلوكي، وأنه سعى إلى استخلاص أنماط سلوكية شبه منضبطة من أجل تسهيل عملية التنبؤ والتفسير للظواهر الاقتصادية، لكنه يكون تشكيكاً هادماً لو أنه استخلص استحالة التعامل مع المشكلة الاقتصادية (ندرة الموارد وتعدد الحاجات) بسبب جنوح واضطراب السلوك البشري.

 

لا أظن أن نوبل التي تقدّر الاقتصاد وتحرص على إخراج جائزتها سنوياً دون حجب للاقتصاديين النابغين تقصد تذويب الاقتصاد في على النفس! لكننى أخشى من الإفراط في تقدير فرع بعينه لهذا العلم، وقصر الاستفادة من التحليل الاقتصادي على قدرته التفسيرية دون أثر ملموس للنظرية الاقتصادية في الواقع المعاش.

 

اعلان

اهم الاخبار