الانفلات التام والموت في الزحام !

الانفلات التام والموت في الزحام !

مدحت نافع

مدحت نافع

18 مايو 2017

 

انفلات الشارع الذى يحذر منه الجميع كلما ارتفعت بعض الأصوات منادية بقليل من الحقوق والحريات، له مظاهر كثيرة، ليست التظاهرات والاعتصامات أبشع تجلياتها.

 

حينما تركب سيارتك متوجهاً إلى عملك فى الصباح فترى سيارات النقل محمّلة بالحجارة بصورة عشوائية قاتلة، ثم تلتفت يميناً فتجد سيارة أخرى مقلوبة مفرغة كامل حمولتها على الطريق، ولا يوجد فى محيطها شرطى واحد أو لا قدّر الله كردون لحماية روّاد الطريق، ثم تنظر عن يسارك فتجد أحدهم يكسر الحاجز الفاصل بين الطريقين من أجل أن يشق لنفسه دوران خصوصى للخلف! ثم تمضى فى طريقك مذهولاً راجياً الله أن تدرك عملك "سالماً" فى موعدك فيباغتك عدد من العمّال وقد قرروا أن يحفروا الأرض بدون أية أقماع أو علامات تحذيرية، فتركوها حفرة هائلة كأصحاب الأخدود!..كل ذلك فى دقائق معدودة بينما تريد أن تتوجّه إلى عملك المعتاد، فهل يمكن توصيف تلك الصور المخيفة بلفظ أخف حدة من الفوضى والانفلات؟! وما الذى يميزنا إذن عن دول تدور فيها حروب أهلية وتشتعل فيها انقلابات؟! الكل منكفئ على ذاته يريد لقمة العيش ولا يلتفت إلى حالة الفوضى الشاملة التى تعم شوارعنا.

 

المستثمر الذى نخاطبه ليل نهار عبر شاشات التلفاز وفى المؤتمرات المقامة بالقاعات الفاخرة بفنادق سبع نجوم، يمر هو الآخر عبر تلك الطرق، يشاهد هذه الصور، لكنه يراها بعين فاحصة، يدرك من خلالها مخاطر عدة، تخفى عن أبناء الوطن الذين اعتادوا مظاهر الانفلات، خاصة فى السنوات الأخيرة.

 

السائح أيضاً لا يريد أن يدخل ساحة حرب! هو يريد أن يستمتع بوقته دون أن يتعرض لمخاطر الخطف أو القتل أو الموت ضحية للطريق. كل يفعل ما يحلو له! والغريب أن كثيراً من المسئولين حينما تواجههم بتلك الحقيقة الساطعة يجيبك بغير تردد بما يفيد تردّى الأخلاق وفساد السلوكيات!! لماذا وضع القانون إذن؟ أليس هذا هو مقصد التشريع الأهم وهو ضبط السلوكيات وتنظيمها؟! أنا أعرف أناساً غاية فى الاحترام وحسن التربية يخالفون كثيراً من قوانين المرور ويمشون فى اتجاهات عكسية لا لأنهم يريدون ذلك ولكن لأنهم لو التزموا وحدهم بالقانون الذى تغيب الرقابة عليه بشكل شبه تام فى الشارع ستكون عاقبتهم تدمير مركباتهم على أقل تقدير، الفوضى تكثر وتعم حتى لو قادها فى البداية شخص واحد مالم يلق هذا الشخص الجزاء الرادع! لماذا نجادل فى المسلمات؟! العالم يبحث عن كيفية توفير سبل العيش للبشرية بعد أن ينتهى عمر كوكب الأرض، ونحن مازلنا نجادل فى أهمية تطبيق القانون من عدمه لأن الأخلاق يجب أن تدعم أولاً؟! ما يراد بهذا الدفع إلى تمييع المسئولية، وتسويف العمل الجاد، وتبرير الإخفاق والفشل وتردّى الأوضاع..وهى أمور لا تحتمل الاستدامة.

 

مظاهر الانفلات والفوضى أيضاً تتجلّى فى سلطة البدو على الأراضى وأخذ إتاوات من أصحاب الوحدات السكانية اتقاءً لشرورهم، يحتكرون خدمات البناء والتشييد فى تلك المناطق ولو لم تستأجرهم هشمّوا سيارتك أو ربما تعرضت لما هو أخطر!..البدو يرعون بمواشيهم رعياً جائراً على خضرة الطرق العامة! والماشية تعبر الطرق فجأة فتحدث الكوارث!.

 

من مظاهر الانفلات أيضاً ظاهرة وضع الأيدى على أراضى الدولة وغياب سلطة القانون لتمكين أصحاب الأرض منها لتعذّر التمكين لأسباب أمنية (هكذا يرد بالتقارير)!.

 

من مظاهر الانفلات البناء على الأراضى الزراعية وتبويرها وتجريفها فى دولة تعانى من فجوة غذائية كبيرة. البناء العشوائى فى كل مكان وبأى صورة مهما كانت مقززة ومؤذية للناظرين!..

 

من مظاهر الانفلات الشارع يتم رصفه وإنفاق الملايين على تمهيده ثم بعد يومين يشق من جديد لإصلاح مواسير أو تغييرها أو توصيل الغاز وكأن لا خطة ولا خرائط ولا شئ يحكم المحليات!. تنكسر مواسير المياه بصورة منتظمة عندما يحين موعد إصلاح الشارع أو إدخال أى تعديل، وطبعاً هناك شركات بعينها تكلّف بالإصلاح! لا أحد يعاقب على ذلك فيما أعلم، ومع هذا نحن بلد تنادى حكومته بالتقشّف بصورة تحمل تبكيتاً للفقراء والمعدمين على الإسراف فى استهلاك رغيف الخبز!.

 

كثيرة هى مظاهر الانفلات والفساد والإهمال، لكن مواجهتها لن يكون ببث شحنات من الثقة المفرطة فى أننا سنصبح دولة عظمى يوماً ما.. هكذا من تلقاء أنفسنا، وببركة دعاء الوالدين! المواجهة تحتاج الحزم والحسم والردع، حسناً فعل رئيس الجمهورية فى خطابه الأخير حينما أصر على سحب الأراضى من واضعى اليد بسلطة القانون وبكل حسم، لأن فى ذلك تمكين للدولة من مواردها وتطبيق للقانون على الجميع وخاصة من يظنون أنهم مراكز للقوى أو أنهم دولة داخل الدولة، وهى بداية مطلوبة، لو وفّق فيها الرئيس لكان خيراً من آلاف المشروعات الجديدة العملاقة الآكلة للسيولة، فلطالما أوضحت أن ثراءنا الحقيقي يكمن فى سد منابع الهدر والفساد ومصارفهما. بداية لو وفّق إليها مطبقو القانون لسهل عليهم تطبيقه فى الشارع المنفلت، وطرق الموت. بداية صعبة لكنها من المرات القليلة التى نشتبك فيها مع الأزمة الحقيقية ولا ندفن رؤوسنا فى الرمال انتظاراً للعاصفة أن تمر وحدها دون أن نبذل أى جهد.

 

اعلان