مرشح التوافق والقيود الوهمية !

مرشح التوافق والقيود الوهمية !

مدحت نافع

مدحت نافع

11 مايو 2017

 

سألنى بعض الصحفيين عن رؤيتى للمرشح التوافقى الذى يمكن أن يظهر فى هذا الوقت العصيب، ليقيل البلد من عثراته، ويكشف عن الناس هم الغلاء، ويضع مصر على طريق التنمية الصحيح.

 

فى البداية رفضت هذا التوصيف الذى وصف به المرشح المحتمل، لأن "التوافق" المنشود لن يحدث إلا عبر عملية انتخابية من نوع ما، ولأننا لا نتحدث عن انتخابات حزبية داخلية تأتى بمرشح الرئاسة، فمسألة المرشح التوافقى هى عادة ما تنتهى ببيان إعلامى، يصدره شرذمة من قدماء الناشطين فى العمل السياسي، والذين ارتدى معظمهم رداء اليسار، إيذاناً بإطلاق أيادى آلات التطبيل والنبش كى تنهش جميعاً فى عرض شخص ما اتفق الحاضرون على تقديمه قرباناً للعملية الانتخابية!.

 

التوافق هنا يضع قيداً وهمياً على حق المواطن العادى فى خوض العملية الانتخابية. التوافق المزعوم يضيف إلى شروط الترشّح للرئاسة شرطاً هلامياً فضفاضاً، مفاده ضرورة المرور عبر عتبة خيالية اسمها "التوافق" قبل أن تصبح نداً للمرشح الآخر الأوفر حظاً!. علينا إذن قبل البحث عن مواصفات المرشح الذى يستحق أصوات الناس، أن نحرر الملايين ممن تنطبق عليهم شروط التقدّم لشغل هذا المنصب الرفيع من قيد التوافق، الذى لم ولن يحدث على النحو المطلوب أبداً.

 

فإذا ما تحرر مرشح الغيب هذا من قيد التوافق، بقى أن نحرر الناس من وهم "الكمال" الذى يلتمسونه فى مرشح الرئاسة. ذلك لأن الكمال "البشرى" لم يثبت لأحد ممن تولوا هذا المنصب من قبل، وهو بعد ليس شرطاً لتولى "وظيفة" رئيس الجمهورية بعقد مؤقت مدته أربع سنوات لا تجدد تلقائياً. المفاجأة أن الرئيس المطلوب لن يكون نبياً مرسلاً، ولا فرعوناً معبوداً، ولا رجلاً يأتيه الوحى من السماء!.. هو رجل عادى من أوسط الناس، امتلك رؤية وعلماً وقبولاً وقدرة على تحمّل المسئولية وأداء أمانتها، وهو فى كل ذلك أيضاً يخضع لرقابة سلطتى القضاء والتشريع طوال فترة حكمه، وهو ممتحن دائماً فى رؤيته وعمله.

 

المرشح الرئاسي القادم سوف يطالبه الإعلام الموجّه أن يجترح المعجزات، وهو لن يطلب هذا من الرئيس الحالى، ولم يطلبه منه حين تقدّم للمنصب أول مرة، بل لم يطلب منه برنامجاً رئاسياً كما هو معتاد فى كل الأرض! فقط يريد هذا الإعلام بطلباته تلك أن يكشف عن صاحبنا ستره، ويثبت للناس أنه مجرد "بشر" ولا يمكن أن يكون رئيساً لدولة مثل مصر تحتاج إدارتها إلى "مواصفات خاصة"!.

 

هذا هو القيد الوهمى الثالث، فمصر ليست بدعاً من الأمم، بالتأكيد لكل أمة خصائصها، لكن ذلك لم يمنع من سريان مبادئ الديمقراطية والعدل وتكافؤ الفرص وإطلاق الحريات.. فى كل الدول التى حققت تقدماً ملحوظاً على المسارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. عشقنا الاستثناءات حتى أفرغنا تشريعاتنا من مضمونها، وأبطلنا عملها وقدرتها على وضع إطار عام حاكم ومنظّم للعلاقات، وبالمثل نفعل مع ديمقراطيتنا المتعثرة، والتى نزعم أنها لا يمكن أن تنطبق إلا استثناءً، ووفق شروط وقواعد وقيود تفرغها تماماً من قيمتها، وتجرّدها من أهدافها المعروفة!.

 

وإذا كانت مصر "مستهدفة" كما يحلو الوصف للبعض، فالعالم كله بات مستهدفاً بعد أن ضاق بساكنيه وندرت موارده إلى حد مقلق. بالتأكيد تتفاوت درجة الاستهداف والترصّد، لكننا لن نتفرغ لقياس تلك الدرجة، ولا أمل فى النجاة من المؤامرات (سواءً الوهمية أو الحقيقية أو التى نحيكها بأنفسنا وبأيدينا) سوى بالسير فى الطريق الصحيح، طريق الديمقراطية التى تصحح أخطاءها بنفسها وعبر آلياتها. فى مصر فقط نتجنب السير فى الطريق الصحيح لأنه شاق وطويل! يعز علينا أن نبدأ ونحاول، حتى أصبحنا فى ذيل الأمم فى مختلف المجالات، وغيرنا خاض حروباً عالمية مدمرة، ويخوض حروباً حدودية متصلة ومستمرة، لم تمنعه من الارتقاء فى سلم النهضة ولعب دور مؤثر على قمة العالم. أم أن المطلوب مرشح يحفظ لمصر تأخّرها بين الدول؟!

 

الديمقراطية ليست حلاً سحرياً، ولا هى الإطار الكامل لإدارة الدول، وقد لاقت ديمقراطية أثينا (المباشرة) ما لاقت من نقد كبار الفلاسفة، لكنها بصورتها النيابية الراهنة، أفضل صيغة توصّل إليها العقل الجمعى والمعرفة المتراكمة للأمم التى سبقتنا فى مدارج العلم والمعرفة وسائر أمور الحياة، فإذا تم تطبيقها فى مجتمع متعلّم كان حظها أوفر فى الخلاص.

 

ولأن التعليم فى مصر صار كمّاً مهملاً، ولأننا خرجنا بالأمس القريب من التصنيف العالمى لجودة التعليم الذى تذيّلناه لفترة طويلة، فأول ما يجب أن يأتى به مرشحنا المحتمل هو خطة جادة لتحسين جودة التعليم، ضمن استراتيجية أشمل لتحسين جودة المنتج البشرى بصفة عامة. المنتج البشرى يتحسّن برفع جودة التعليم، والخدمات الصحية، وخدمات البنية الأساسية، وتوفير فرص للعمل، ومصادر للدخل تحفظ للناس كرامتهم. المنافسة التى تدير قلب النظام الرأسمالى الحاكم للعالم، صارت شديدة للغاية، صارت تسحق الشركات، وتستبدل القوى العاملة التقليدية بماكينات وبمهارات بشرية لا توجد إلا فى بلاد تهتم بتحسين المنتج البشرى. نحن فى سكرتنا وبينما نستمع إلى أغانى وأناشيد وطنية لا ننتبه إلى ضجيج تلك المنافسة الضروس، لا ينتبه إليها إلا من أراد أن يضرب فى أرض الله يطلب الرزق، فيجد نفسه كأصحاب الكهف، لا يعرف شيئاً عن هذا العالم المتقدم.

 

العلم وحده قادر على تبديد القيود الوهمية التى ذكرناها، لكننا كمجتمع مدنى بينما نجتهد فى طريق تحسينه وإن طال الأمد، علينا أن نجتهد أيضاً بالتوعية بأهمية المشاركة فى الانتخابات، وإسقاط أوهام اختلقها بعض المغرضين لبث اليأس فى النفوس من أى إصلاح إلا بثورة أو دماء! وليت المغرضين من طرف واحد، بل على طرفى نقيض! هناك من يريد أن يثبت للناس دائماً أن العنف هو المفر الوحيد من حالة التردّى التى نعيشها، لأن أحد الطرفين يريد الانتقام وهدم المعبد على من فيه، والآخر يجيد العنف ويملك أدواته، لكنه لا يملك المنافسة فى الرؤى والأفكار والإدارة الناجحة.

 

علينا أن نخرج من دائرة العنف إلى الأبد، ذلك لأن الغرب المتقدم والذى دفع ثمن حرياته وديمقراطيته دماً، قد أعفى سائر الأمم من السير فى ذات الدرب للوصول إلى غاية يمكن بلوغها عبر طريق أيسر وأسلم. كان أبى -رحمه الله- يعلّمنى أن الفطن هو الذى لا يجرب فى نفسه كل شئ بل يتعلم من تجارب الآخرين. كما أن علينا أن نهدم تلك الأوهام التى تحتكر الرئاسة فى جماعة أو فصيل أو فئة، وتملك الناس بالخوف والتهديد والتنكيل، علينا أن نعى أن الرئيس الذى يمكننا انتخابه لن يكون أبداً صورة كاملة لأحلام كل المصريين ولا حتى معظمهم، بل لن يكون بالضرورة صورة كاملة لأحلامه هو شخصياً متى اعترضته بعض الصعوبات فى تحقيقها. لكن السياسة هى فن الممكن، وفن اختيار بين بدائل تحقق بعض مطالبك وأخرى لا تحقق شيئاً منها، وربما كانت عليك غراماً صرفاً.

 

من الأوهام التى رسخت فى العقل الجمعى المصرى هى أن السياسة "دنس" وفساد وفتن ومؤامرات! وهى أحياناً تكون كذلك، تماماً كالنفس البشرية، والله قد ألهم النفس فجورها وتقواها، فالسياسة تحمل أيضاً مبادئ العدل والحكمة والرشاد، وتحمل الخير والنفع والإنتاج بعيداً عن ضحيح الدعاية والحشد، وتحمل الكثير من الخير لأنها بديل مقبول للعنف. السياسة تصنع الأمل، وهو أفضل كثيراً من الخوف فى ضبط سلوك المجتمعات.

 

فى مقالات أخرى ربما نتناول البرنامج الاقتصادى الأمثل لمرشح الرئاسة.

 

اعلان

اهم الاخبار