مبادرات التوك الشو!

مبادرات التوك الشو!

مدحت نافع

مدحت نافع

04 مايو 2017

 

حينما تفكر فى البحث عن مصادر للتمويل وأنت مواطن عادى تنقصك السيولة لسداد التزامات عاجلة، فالأمر يختلف بشكل كبير عمّا لو كنت شركة أو مؤسسة، وبالتأكيد الدولة لا تفكر مثل هؤلاء جميعاً.

 

أقول هذا وأنا مستنزف فى الرد على مكالمات هاتفية من مختلف الزملاء والأصدقاء العاملين فى الصحافة الاقتصادية يستفتوننى فى مسألة جمع الأموال من موظفى الدولة وأوجه إنفاق 7 أو 8 مليون شهرياً!. الأزمة ليست فى أوجه الإنفاق فقط ولكن فى آلية جمع الأموال، ومسوّغها، وفى كفاءة إنفاق تلك الأموال وتخصيصها بين بدائل الإنفاق المختلفة، وفى الفرصة البديلة التى تنشأ عن الحديث عن تلك البدائل واستهلاك ملايين الساعات من موظفى الدولة لمناقشة جدوى هذا المقترح وغيره من مبادرات، ثم عن تنفيذها بأساليب دعائية فى المقام الأول.. كل ذلك يدركه الاقتصاديون أكثر من غيرهم من العوام وغير المختصين.

 

الأزمة تأتى من زمرة المتلهفين على تلقّى أحلام الرؤساء باعتبارها وحى من الله!

منذ أن اندلعت ثورة يناير كتبت فى موضوع إدارة اقتصاد الدولة بأسلوب "صناديق النذور" أكثر من مرة، كان أولها إبّان تولى حكومة عصام شرف الأولى المسئولية، وكانت آلية جمع الأموال عن طريق صناديق التبرعات قد تم استدعاؤها للمرة الأولى بعد الثورة.

 

تطوّر الأمر بعد ذلك وامتلأ الفضاء الإعلامى بمبادرات التقشف والتخلّى عن الاستهلاك غير عابئة بنمط الاستهلاك والأثر الركودى لمبادراتهم وجدواها الاقتصادية، ثم امتلأ ذات الفضاء باتهامات للمواطن المسكين بأنه صانع الأزمة وأن عليه أن يتوقف عن الإنجاب والطعام والشراب حتى نخرج من عنق الزجاجة!

 

صحيح أن أصحاب تلك الدعوات يتقاضون أتعابهم بالملايين عن الحلقة الواحدة (المنادية بالتقشف والمبكّتة للشعب المسرف!)، لكن الأخطر من ذلك الضجيج الشعبوى هو تحوّله إلى سياسات رسمية تتبنّاها مؤسسات هامة وفاعلة فى الدولة!. أن يتحوّل صندوق لجمع أموال التبرعات إلى ذراع الدولة لتمويل المشروعات الهامة، أن تتحوّل مصر إلى مؤسسة 57357 لمجرد أن استرتيجية التسويق للمستشفى نجحت فى توفير مصادر دخل كبيرة جداً بعيدة عن الحوكمة ورقابة الدولة!.

 

مازلت أفضّل أن أعتبر مبادرات الرئيس المختلفة والتى يرددها عبر مداخلات فى قنوات فضائية محض مبادرات شخصية، يطلقها باعتباره شخصية عامة تتمتّع بشعبية مؤثرة، وأن أفكاره المتعلقة بجمع الأموال عن طريق التبرع واستقطاع "الفكة" من الراتب أو من الحسابات البنكية.. إلى غير ذلك من أفكار هى محض وجهة نظر شخصية غير متخصصة ولا يجور لها أن تناقش خارج سياقها الصحيح فى برامج التوك شو.

 

الأزمة تأتى من زمرة المتلهفين على تلقّى أحلام الرؤساء باعتبارها وحى من الله! والذين تعمل آلاتهم ليل نهار لتحويل أفكار ومبادرات شخصية إلى أوامر وسياسات. حتى الرسول صلى الله عليه وسلّم الذى كان يأتيه الوحى من السماء ولا ينطق عن الهوى، احترم التخصص وأكد فى حديثه عن تلقيح النخل"إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنِ إذَا أَخْبَرْتُكُمْ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِشَيْءٍ فَخُذُوهُ، فَإِنِّي لَنِ أكْذِبَ عَلَى اللهِ شَيْئًا". فأوامر الوحى فقط تؤخذ بغير نقاش، أما رأيه وظنه عليه الصلاة والسلام فى شئون الدنيا فمطروحة لأهل الخبرة والعلم وكذلك كان أمر الشورى بين المسلمين، وقاعدة "أنتم أعلم بأمور دنياكم". ولا ينتقص ذلك من قدر المعصوم حاشاه، وبالتأكيد لا ينتقص أبداً من قدر من هم دونه مكانة ومكاناً.

 

فى البلاد المتقدمة التى تعلّمنا منها الديمقراطية، تظل المداخلات الشخصية للساسة والمسئولين مؤثرة بشكل كبير على حركة المال والاقتصاد، ومربكة لشئون السياسة الدولية، من ذلك ما عهدناه من مداخلات الرئيس الأمريكي "ترامب" على شبكات التواصل الاجتماعى التى كانت ومازالت تتسبب فى اضطراب البورصات وضياع المليارات، هذا فى بلاد تملك مؤسسات قوية يمكنها أن تقوم بترشيد قرارات الرئيس وإيقافها وتعديلها.. فما بالنا بمجتمع يصارع المركزية وحكم الفرد وترهّل مؤسسات صنع واتخاذ القرار، مجتمع يدافع فيه البرلمان عن الحكومة ولا يسئلها؟! هنا تصبح نكات الساسة ومداخلاتهم الشخصية أمضى وأخطر متى كانوا فى قمة هرم السلطة على وجه الخصوص. 

 

إذن بينما نحن مشغولون بتحليل مبادرات التوك شو، تمر مصر حالياً بأزمات اقتصادية كثيرة، جلّها أمراض مزمنة لكنها تفاقمت بصورة مقلقة فى الأعوام الأخيرة، وخاصة الدين العام وبالتحديد المكوّن الخارجى من هذا الدين ومعدلات نموّه فى آخر عام، مع تراجع مؤشرات الاقتدار المالى. ولدينا أيضاً معدلات تضخم كبيرة وغير مسبوقة منذ عقود، تصحبها حالة من كساد الأسواق وتراكم أية فوائض فى فقاعات عقارية لا يعلم إلا الله أيّان انفجارها. التحسّن النسبى الفصلى فى ميزان التجارة لا يمكن اعتباره إنجازاً فى ظل تراجع المعروض السلعى بشكل يضاعف من حدة التضخم، والمصادر المستقرة للنقد الأجنبى لا يتم تنميتها عبر سياسات جادة تعمل فى الاقتصاد الحقيقي ولا حتى النقدى.

 

حذّرت البنك المركزى أكثر من مرة من تحوّله عن سياسة استهداف التضخم إلى استهداف الاحتياطى، ولم ينتبه إلا على صفعات تصريحات مسئولى صندوق النقد الدولى.

 

حذّرت البنك المركزى أكثر من مرة من تحوّله عن سياسة استهداف التضخم إلى استهداف الاحتياطى، ولم ينتبه إلا على صفعات فى هيئة تصريحات متتالية من مسئولى صندوق النقد الدولى ينتقدون عجز الدولة وسياستها النقدية عن كبح جماح التضخم منذ اتخاذ قرارات الإصلاح الاقتصادى.

 

الأزمة مع الصندوق ليست فقط فى تأخر الشريحة الثانية أو أية شريحة أخرى، الأزمة تكمن فى أن شهادة الجودة - التى نريد انتزاعها من خبراء الصندوق والتى أعلنّا أكثر من مرة أنها أهم قيمة القرض ذاته وهو بالكاد يكفى أقل من شهرين من حاجة الواردات!- باتت مهددة، وعوضاً عنها يقوم الصندوق ببث رسائل سلبية عن إدارة الاقتصاد المصرى.

 

الحاجة إلى استدعاء أهل العلم والاختصاص باتت أكثر إلحاحاً من أى وقت مضى، وحب مصر الحقيقي لا يمتحن بالشعارات والأغانى والهتافات.. وإنما يمتحن بإيثارها على نزعات النفس، وصراع النفوذ، وتقديم أهل الثقة.

 

اعلان

اهم الاخبار